قناع

ذاكرة المستقبل
03:22 صباحا
قراءة دقيقتين

يعاتبني في الدين قومي، وإنما

ديوني في أشياء تكسبهم حَمْدا

(محمد بن عُمير)

محمد بن عمير، رجل من كندة، وهو الشاعر، المقنع الكندي، المشهور بكرمه، وإقراء بني عمومته، حتى انه كان يستدين من أجل ذلك.

وسمي ب المقنع لأنه كان يتقنع دهره لجمال طلعته، بل انه كان من أجمل الناس، وليس أجمل العرب فحسب. وهكذا وضع قناعاً من القماش على وجهه، لكي يحجب جماله عن الناس.

وكان المقنع الكندي، باراً بأهله، وفياً لقومه، مكافحاً في سبيل قبيلته بني كندة، فكان يستدين من أجلهم، فلامه على سلوكه هذا من لامه من قومه، فأنشد واحدة من أجمل القصائد العربية، يقول في بعضها:

وإن الذي بيني وبين بني أبي

وبين بني عمي لمختلف جِدّا

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم

وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

وكنت أتوجه الى الصديق الشاعر سعدي يوسف، قبل ثلاثين سنة، ونحن في حديقة اتحاد الأدباء العراقيين ببغداد، أن يُعيد عليّ إنشاد تلك القصيدة الرائعة، فكان يلبي ندائي، وهو عليم بما يدور في قلبي.

وكنت في حينه أقنع وجهي، مثل محمد بن عمير، كي لا يرى الأعداء والأصدقاء، ما يدور في قلبي، بينما قلبي من دون قناع، وتلك خصيصة تعلمتها من المقنع الكندي، ومن لائميه أيضا.

والقناع عند العرب يقترن بالمرأة، وهو القماش الذي يخفي رأسها ومحاسن جسدها، وكانت حرائر العرب لهن القناع زياً، وليس للجواري أبداً. وروي ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رأى جارية مقنعة، فضربها بالدرة التي بيده، وقال لها أتتشبهين بالحرائر؟.

والشيب قناع رأس الرجل بعدما يغزوه البياض.

ويذكر القناع كثيرا في قصص العرب، خصوصاً عند النساء اللاتي يتقنعن من أجل الذود عن الأهل، أو للقاء حبيب. وهناك روايات أكثر من أن تحصى عن أولئك الفتيان والرجال والغلمان الذين تقنعوا لغرض في نفوسهم، أو جعلوا من حجرات بيوتهم أقنعة، أو استخدموا الضوء والظل قناعا. وهؤلاء هم الشطار والنفاجة الذين مهدوا لفن الفرجة العربية المعروف في أيامنا هذه.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"