لا أدري ماذا ستكون ردة فعل بيبي نتنياهو وغيره من المتطرفين الذين يقولون إن قيام إسرائيل جاء تنفيذاً لوعد إلهي في التوراة عندما يعلمون أن التوراة التي يقرأونها ليست هي تلك التي أنزلت على نبي الله موسى وإنما مجموعة تعاليم دينية واجتماعية وفلسفية كتبها كاهن من أوغاريت السورية اسمه إيلي ميلكو ونسخها اليهود عنه وقدموها للعالم باعتبارها منزلة؟ ويبدو أن كهنة اليهود يعرفون ذلك، بدليل أنهم يضعون التوراة التي تتضمن الأسفار التي أنزلت على نبي الله موسى، والأسفار التي كتبها أنبياؤهم من بعده في المكان الثاني من حيث الأهمية بعد التلمود الذي كتبه كهنتهم. ولكن المهم في ذلك كله هو أن الوعد الذي أعطي لليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين هو وعد أعطي من جانب إيلي ميلكو وليس يهوه إله اليهود.

والتوراة الكنعانية التي كتبها كاهن أوغاريت الأكبر بناء على أمر من الملك نيكمد، ملك أوغاريت، عثر علماء الآثار عليها في الحفريات التي أجروها في أوغاريت الكنعانية التي يميل العلماء إلى اعتبارها أقدم حضارة عرفتها البشرية، وترجمها وعلّق عليها العالم ديل ميديكو ونشرها في كتاب صدر مؤخراً بعنوان لآلئ في النصوص الكنعانية، وهي تتألف من خمسة فصول تعالج جميع نواحي الحياة في أوغاريت في عهد الملك الكبير.

يقول ديل ميديكو إن الملك نيكمد خلف الملك الكبير في الحكم، وحيث إن الملك الكبير لم يكن حكيماً ولا منضبطاً أخلاقياً، انعكس سلوكه الشخصي على سياساته، وعانت البلاد التي يحكمها، بدءاً من أوغاريت حتى آخر فلسطين ولبنان، الكثير من المجاعات والحروب وصراع العقائد، فطلب نيكمد من كاهنه الأكبر إيلي ميلكو وضع كتاب يحتوي على بعض التعاليم الأخلاقية التي يمكن أن تفيد الحاكم، فوضع إيلي كتابه وأطلق عليه اسم اللآلئ وترجمه ديل ميديكو عن المخطوطة الأوغاريتية باسم اللآلى من النصوص الكنعانية، وفي التوراة التي يقرأها اليهود حالياً فقرات كاملة من التوراة الكنعانية. ويلاحظ علماء الآثار أن اليهود يعترفون في التوراة بأن يهوه وثن كنعاني كان يعبد في تيمان، وقد أعطوه كل صفات الأوثان الكنعانية، فهو يقودهم في الحروب، ويحقق طلباتهم، ولا يرحم خصومهم لأنه لهم فقط، كما كان لكل مدينة أو قرية كنعانية وثن يدافع عنها ويحميها. بل إن التوراة استخدمت كلمة كنعانية هي أفود وتعني الوثن، وذكرت في سفر القضاة فصنع جدعون أفودا وجعله في مدينته في عقره.

والذين خرجوا مع نبي الله موسى من مصر لم يكونوا كلهم من اليهود، فقد خرج معه الكثير من أبناء الشعوب الآخرى الذين كانوا يعملون بالسخرة لدى الفراعنة ويتعرضون للظلم والاضطهاد. وليس من المنطقي أن نتصور أن هؤلاء الذين لا يجيدون فنون القتال، بل لم يتدربوا على أي منها، يمكن أن يشكلوا جيشاً يهزم الكنعانيين الذين كانوا في بعض الأحيان يتحدون فراعنة مصر، والأقرب إلى المنطق هو أن نعتبر أسطورة الغزو في التوراة سرحة خيال من جانب كتّابها الذين كانوا يحلمون بالسيطرة على فلسطين التي تفيض لبناً وعسلاً.

[email protected]