أيّ سكان أولئك الذين يقطنون الغيوم؟
يلتصق بنافذة الطائرة، لكي يتعرف إلى كائنات الغيم عن قرب، في الواقع هي ليست طائرة، بل دولة طائرة أو دولة مسافرة . دولة من طابقين، في الطابق الأول شعب عادي، وفي الطابق الثاني يتمثل التمايز بين البشر المسافرين في طبيعة الدرجة الطائرة . النوم متاح لكن بلا أحلام، ربما خوفاً من الطيران في حدّ ذاته، الخوف الذي لم يكن يعرفه اكزوبري في روايته أرض البشر عندما كانت الطائرات في زمانه ليست نفاثة ولا تطير بلا طيار . قوة الإنسان وحتى كبرياؤه ومقدرته على صنع المعجزة تظهر أكثر ما تظهر في الجوّ وليس على الأرض . النجوم وحدها في السماء، أما البشر فهم على الأرض، ومن الأرض، وعندما تقلع طائرة أشبه بالقارّة يصبح الإنسان متناهياً في الخفة وحتى في الضعف أمام العقل البشري الذي يصنع بلداً من الحديد الطائر . بلد تقيم فيه أكثر من 500 نسمة . بلد بين الأرض والسماء، القانون فيه يخضع فقط للقبطان . حقاً يتحول الإنسان في حالة الطيران إلى نَسْمة . . كائن معلّق بين الأرض بالهلع عندما رأى طائرة، ولم يفلح في جعل تفاحته تطير، أو، تسقط إلى أعلى .
بقدر ما أن الإنسان ضعيف ومخلوق من تراب، هو أيضاً قادر بقوة دماغه على تحويل التراب إلى ذهب . خرج من الغابة إلى الكهف، ومن الكهف إلى القلعة، ومن القلعة إلى القمر .
حياة الإنسان أكثرها إقلاع . . يقلع أكثر مما يهبط، في الإقلاع يتخلّى عن أمه الأرض ويلتحق بالسماء . . يصبح واحداً من سكان الغيوم .
يلتصق بنافذة الطائرة، ومن تلك الأعالي الغيمية المجهولة ينظر إلى الأرض، هذه الكرة التي تحيله إلى صورة امرأة حامل . من ذلك التكوير الأمومي الرحيم كان قد خرج، ولكنه لن يعود أبداً إلى وطنه ذاك . لن يعود إلى الرحم الدافئ المغلق . بصورة ما كان قد أقلع ذات يوم من تلك الرحم . بصورة ما تعلم الطيران بلا أجنحة .
عندما يكتب يطير . عندما يتأمل ويتألم ويتعلم . . يطير . عندما يكون في جنة الأصدقاء، ويشبع من دفء أرواحهم البيضاء، أيضاً، يطير .
الإنسان في ذاته هو الطيران . .
الخيال لا حدود له . هو الآخر إقلاع وسفر . الصداقة المبنية على تجربة وزمن من الأيام والليالي سفر آخر . سفر الذات في الذات . قل إنه دخول الروح في الروح، أو ذلك التلاقي الحميم الذي يشبه زواج الماء بالماء . . الذي يشبه العبادة .
يلتصق بنافذة الطائرة، ثم، تدريجياً يهبط إلى الأرض .
يدرك عندها تماماً أن لا أحد يسكن في الغيوم .