لماذا يعادي الغرب روسيا ؟

02:59 صباحا
قراءة 5 دقائق
جيمس بيتراس *

أحدث حملة دعائية غربية وأشدها شراسة ضد روسيا أطلقتها الحكومة البريطانية، التي ادعت أن عملاء سريين روساً هم الذين سمموا عميلاً مزدوجاً روسياً سابقاً وابنته في إنجلترا، ما هدد سيادة وسلامة الشعب البريطاني. ولكن الحكومة البريطانية لم تقدم أي دليل، ومع ذلك طردت دبلوماسيين روساً، ما زاد من حدة التوترات. ويأتي ذلك في وقت يشدد الحلفاء الغربيون هجماتهم الدعائية ضد روسيا ويكثفون حشودهم العسكرية على مقربة من حدود روسيا.
وهناك الآن تساؤلات جوهرية حول هذا العداء لروسيا. فلماذا تقول الحكومات الغربية إن روسيا اليوم هي تهديد أكبر مما كانت في الماضي؟ ولماذا يسعى العسكريون الغربيون لتقويض دفاعات روسيا؟ وهل تعتقد النخبة الاقتصادية الأمريكية أن من الممكن إثارة أزمة اقتصادية في روسيا وإسقاط حكم الرئيس بوتين؟ وما هو الهدف الاستراتيجي لصانعي السياسة الغربيين؟.
نعرض في ما يلي عناصر أساسية لمحاولة الرد على هذه التساؤلات.
هناك عدة عوامل تاريخية تعود إلى التسعينات تفسر الفورة الحالية في العداء الغربي لروسيا.
* أولاً، وأهم شيء هو أنه في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي وتضعضع قوة روسيا، أخذت الولايات المتحدة تحط من قدر روسيا وتحولها عملياً إلى دولة تابعة. حتى إن الولايات المتحدة فرضت نفسها على أنها القطب العالمي الواحد.
* ثانياً، النخبة الغربية أخذت تنهب اقتصاد روسيا، وكسبت مئات مليارات الدولارات. وكان أكبر المستفيدين: «وول ستريت» (شارع المال في نيويورك)، ومصارف لندن، والملاذات الضريبية في الخارج.
* ثالثاً، سيطرت الولايات المتحدة على العملية الانتخابية في روسيا، ورتبت «انتخاب» بوريس يلتسين رئيساً.
* رابعاً، أضعف الغرب الجيش الروسي والمؤسسات العلمية الروسية، وأخذ يدفع بقواته المسلحة نحو حدود روسيا.
* خامساً، عمل الغرب لكي تعجز روسيا عن دعم حلفائها عبر العالم. وبالفعل، لم تعد روسيا تستطيع تقديم مساعدات لحلفاء مثل أوكرانيا، وكوبا، وليبيا، وكوريا الشمالية ودول أخرى.
ولكن مع انهيار نظام يلتسين وانتخاب فلاديمير بوتين رئيساً، أخذت روسيا تستعيد سيادتها، وتعيد إنعاش اقتصادها، وتعزز قوة جيشها، وتعيد بناء مؤسساتها العلمية. وتمكنت الحكومة الروسية أيضا من تقليص الفقر بمعدلات كبيرة، ولجم عصابات الرأسماليين المدعومين من الغرب، وسجنت بعض كبار الرأسماليين فيما فر آخرون إلى الغرب.
وهذه الاستعادة التاريخية لقوة روسيا وتعاظم نفوذها الدولي تدريجياً قوضا ادعاء الولايات المتحدة بأنها القطب العالمي الواحد. وبقدر ما كانت روسيا تعزز سيادتها وتزداد قوة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بقدر ما كان الغرب يزيد من عدائه في مجهود من أجل إعادة روسيا إلى مرحلتها المظلمة في التسعينات. وأطلقت الولايات المتحدة حملة تدخلات عسكرية وتدبير انقلابات وتزوير انتخابات بهدف تطويق وعزل روسيا، وشملت هذه الحملة بلداناً مثل أوكرانيا، والعراق، وسوريا، وليبيا، وحلفاء روسيا في آسيا الوسطى. وفي الوقت ذاته، أخذ حلف الأطلسي يبني قواعد عسكرية في محيط روسيا.
غير أن هذه الحملة الغربية فشلت، ومن أبرز مظاهر هذا الفشل كان تفكك أوكرانيا وسيطرة روسيا مجدداً على شبه جزيرة القرم الاستراتيجية، وإخفاق قوى المعارضة السورية في إسقاط الحكومة السورية المتحالفة مع روسيا، وتوثيق الروابط بين روسيا والصين.
واليوم، يتمتع الرئيس بوتين بشعبية كاسحة في روسيا، خصوصاً لأنه نقيض يلتسين. فقد أعاد بناء الاقتصاد، وقاوم العقوبات الغربية، ودافع بنجاح عن حدود روسيا وعن حلفائها.
واليوم أيضاً، من الواضح أن روسيا ستبقى قوة عالمية بقيادة الرئيس بوتين، وتحبط سعي الولايات المتحدة إلى أن تكون القطب العالمي الواحد.
* برفيسور في علم الاجتماع عمل في الولايات المتحدة وكندا وحالياً بروفيسور فخري في جامعة بينجهامتون في بريطانيا. موقع «إنفورميشن كليرينج هاوس»
جيمس بيتراس *
أحدث حملة دعائية غربية وأشدها شراسة ضد روسيا أطلقتها الحكومة البريطانية، التي ادعت أن عملاء سريين روساً هم الذين سمموا عميلاً مزدوجاً روسياً سابقاً وابنته في إنجلترا، ما هدد سيادة وسلامة الشعب البريطاني. ولكن الحكومة البريطانية لم تقدم أي دليل، ومع ذلك طردت دبلوماسيين روساً، ما زاد من حدة التوترات.
ويأتي ذلك في وقت يشدد الحلفاء الغربيون هجماتهم الدعائية ضد روسيا ويكثفون حشودهم العسكرية على مقربة من حدود روسيا.
وهناك الآن تساؤلات جوهرية حول هذا العداء لروسيا. فلماذا تقول الحكومات الغربية إن روسيا اليوم هي تهديد أكبر مما كانت في الماضي؟ ولماذا يسعى العسكريون الغربيون لتقويض دفاعات روسيا؟ وهل تعتقد النخبة الاقتصادية الأمريكية أن من الممكن إثارة أزمة اقتصادية في روسيا وإسقاط حكم الرئيس بوتين؟ وما هو الهدف الاستراتيجي لصانعي السياسة الغربيين؟.
نعرض في ما يلي عناصر أساسية لمحاولة الرد على هذه التساؤلات.
هناك عدة عوامل تاريخية تعود إلى التسعينات تفسر الفورة الحالية في العداء الغربي لروسيا.
* أولاً، وأهم شيء هو أنه في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي وتضعضع قوة روسيا، أخذت الولايات المتحدة تحط من قدر روسيا وتحولها عملياً إلى دولة تابعة. حتى إن الولايات المتحدة فرضت نفسها على أنها القطب العالمي الواحد.
* ثانياً، النخبة الغربية أخذت تنهب اقتصاد روسيا، وكسبت مئات مليارات الدولارات. وكان أكبر المستفيدين: «وول ستريت» (شارع المال في نيويورك)، ومصارف لندن، والملاذات الضريبية في الخارج.
* ثالثاً، سيطرت الولايات المتحدة على العملية الانتخابية في روسيا، ورتبت «انتخاب» بوريس يلتسين رئيساً.
* رابعاً، أضعف الغرب الجيش الروسي والمؤسسات العلمية الروسية، وأخذ يدفع بقواته المسلحة نحو حدود روسيا.
* خامساً، عمل الغرب لكي تعجز روسيا عن دعم حلفائها عبر العالم. وبالفعل، لم تعد روسيا تستطيع تقديم مساعدات لحلفاء مثل أوكرانيا، وكوبا، وليبيا، وكوريا الشمالية ودول أخرى.
ولكن مع انهيار نظام يلتسين وانتخاب فلاديمير بوتين رئيساً، أخذت روسيا تستعيد سيادتها، وتعيد إنعاش اقتصادها، وتعزز قوة جيشها، وتعيد بناء مؤسساتها العلمية. وتمكنت الحكومة الروسية أيضا من تقليص الفقر بمعدلات كبيرة، ولجم عصابات الرأسماليين المدعومين من الغرب، وسجنت بعض كبار الرأسماليين فيما فر آخرون إلى الغرب.
وهذه الاستعادة التاريخية لقوة روسيا وتعاظم نفوذها الدولي تدريجياً قوضا ادعاء الولايات المتحدة بأنها القطب العالمي الواحد. وبقدر ما كانت روسيا تعزز سيادتها وتزداد قوة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بقدر ما كان الغرب يزيد من عدائه في مجهود من أجل إعادة روسيا إلى مرحلتها المظلمة في التسعينات. وأطلقت الولايات المتحدة حملة تدخلات عسكرية وتدبير انقلابات وتزوير انتخابات بهدف تطويق وعزل روسيا، وشملت هذه الحملة بلداناً مثل أوكرانيا، والعراق، وسوريا، وليبيا، وحلفاء روسيا في آسيا الوسطى. وفي الوقت ذاته، أخذ حلف الأطلسي يبني قواعد عسكرية في محيط روسيا.
غير أن هذه الحملة الغربية فشلت، ومن أبرز مظاهر هذا الفشل كان تفكك أوكرانيا وسيطرة روسيا مجدداً على شبه جزيرة القرم الاستراتيجية، وإخفاق قوى المعارضة السورية في إسقاط الحكومة السورية المتحالفة مع روسيا، وتوثيق الروابط بين روسيا والصين.
واليوم، يتمتع الرئيس بوتين بشعبية كاسحة في روسيا، خصوصاً لأنه نقيض يلتسين. فقد أعاد بناء الاقتصاد، وقاوم العقوبات الغربية، ودافع بنجاح عن حدود روسيا وعن حلفائها.
واليوم أيضاً، من الواضح أن روسيا ستبقى قوة عالمية بقيادة الرئيس بوتين، وتحبط سعي الولايات المتحدة إلى أن تكون القطب العالمي الواحد.

* برفيسور في علم الاجتماع عمل في الولايات المتحدة وكندا وحالياً بروفيسور فخري في جامعة بينجهامتون في بريطانيا. موقع «إنفورميشن كليرينج هاوس»

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

مقالات أخرى للكاتب