ارتبط اسم المرتزق الفرنسي برنارد بجُزر القُمر (بضم القاف) لأنه غامر مرتين لتغيير الحكم فيها لمصلحة من استقطبه، وارخبيل جزر القمر يتكون من ثلاث جُزر، العاصمة (ماروني) في الجزيرة الأكبر منها، وخميرة العكننة هي جزيرة (أنجوان) التي جربت التمرد والعصيان على السلطة المركزية أكثر من مرتين، أشهرها عصيان عام 1997 الذي طالبت فيه ليس بالانفصال عن دولة جزر القمر الإسلامية، ولكن بعودة الاستعمار الفرنسي إليها، ولم يكن وراء تلك المطالبة العجيبة عنصر سياسي بقدر ما كانت غيرة من جزيرة (مايوت) التي ما زالت في حضن فرنسا، رغم مطالبة حكومة جزر القمر بها، فالحياة في مايوت أفضل وسبل العيش أوفر والرفاهية متوفرة.

وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر مارس/آذار 2008 استطاعت قوات الاتحاد الإفريقي المشكلة من قوة من الجيشين السوداني والتنزاني (إقليم شرق إفريقيا) تدعمها لوجستيات ليبية إنهاء عصيان جزيرة (انجوان) وإحكام سيطرة الحكومة المركزية عليها بعد هروب زعيم التمرد فيها العقيد محمد بكر. ورغم أن ذلك التحرك محسوب لمصلحة الاتحاد الافريقي إلا أن هناك من يتساءلون عن سر في سرعته للتصدي للعصيان وهم إنما ينسون القاعدة الذهبية أن هناك أشياء ممكنة أو غير معقدة، وأن الاتحاد الافريقي منذ انطلاقه في يوليو/تموز عام 2002 واجه أزمة دارفور في غرب السودان ونشر قوات حفظ سلام فيها مع اعترافه بقصور اللوجستيات والموارد المالية، وهي القوات التي تطورت لقوات مشتركة عرفت ب الهجين أو اليوناميد، فإذا سنحت فرصة للاتحاد الإفريقي لتسجيل نجاح يستطيع تحقيقه، فلم لا؟ كذلك ثمة انتخابات رئاسية وعامة في جزر القمر على الأبواب، يلزمها استقرار وأمان لتحافظ على المسار الديمقراطي في البلاد، خاصة وان القادة الأفارقة منذ 1997 قرروا عدم الاعتراف بأي حكومة تجيء عن طريق الانقلاب أو القوة المسلحة، وفي الذاكرة الإفريقية صورة محاولة انفصال إقليم (بيافرا) في نيجيريا أوائل الستينات، والتي لا ترغب القارة الإفريقية في تكرارها في أحد بلدانها.

هناك - كما أسلفنا - انتخابات في الطريق يمكن لمن يريد استثمارها تصحيح أي خطأ تنكبه الرئيس الحالي لجزر القمر عن طريق الحملات الدعائية أو الندوات السياسية، والفيصل في النهاية هم الناخبون. ولا بد من سؤال هنا: هل هناك أصابع أجنبية وراء تمرد جزيرة (انجوان)؟ والإجابة استناداً إلى السوابق أن فرنسا ما زال في نفسها شيء من حتى حيال جزر القمر ويهمها أن يكون من يحكمها تحت إبطها أو على أحسن الفروض تحت مظلتها. وقد جربت جزر القمر الحكم العسكري خلال عهد العقيد عثمان غزالي الذي اضطر لإعادة البلاد لمربع الديمقراطية.

فهل فرنسا، من طرف خفي، تخشى من النفوذ الإيراني في جزر القمر؟ وما البديل للعصيان بعد إزالته من أنجوان، لصد المد القادم من طهران؟