من الواضح أن الإدارة الأمريكية، بل أمريكا كلها، في حالة انشغال وترقب للانتخابات القادمة، وجاءت الأزمة المالية لتشغلها أكثر ولتجعلها أكثر حساسية، خصوصاً في الجانب المتعلق بحلفائها الأوروبيين، وزادت الطين بلة رياح الحرب الباردة التي أطلت بوجهها من بوابة الدب الروسي بعد أزمة جورجيا، ما يوحي بأن القطبية الأحادية بدأت عدّها التنازلي، وهكذا تسلمت فرنسا ملف أزمة دارفور رغم أن ممثل جورج بوش للسودان، ريتشارد وليامسون، هرع الى الخرطوم نهاية الاسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2008 في مهمة اللحظات الأخيره لتحسين علاقات السودان بتشاد من أجل عيون دارفور، وإلحاح المسيرة السلمية فيها مع إكمال نشر القوات الهجين أو القوات المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. وذلك كله يصب في مساعدة أمريكا لفرنسا في تحمل مسؤولية ملف دارفور نيابة عنها.
وأكد ذلك، الترتيب للزيارة التي قام بها إلى فرنسا في مطلع أكتوبر 2008 مساعد رئيس الجمهورية السودانية د.نافع على نافع الممسك بملف أزمة دارفور، حيث أجرى مشاورات مع المسؤولين الفرنسيين حول الأوضاع في دارفور عامة، وبحث خارطة طريق لها تتضمن لعب باريس لدور مهم بالضغط على زعيم حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، المقيم في فرنسا، ليشارك في اجتماعات مبادرة (الدوحة) الرامية لتوحيد صف المعارضة الدارفورية، بغية إيجاد حل سريع ودائم للأزمة التي ظلت تجرجر أذيالها منذ العام ،2003 وتسببت في تشريد ولجوء الآلاف ومقتل الآلاف. وحسب مصادر عليمة فإن مساعد الرئيس السوداني بحث مع الفرنسيين مسألة تعليق توقيف الرئيس عمر البشير التي طالب بها مدعي محكمة الجنايات الدولية. وكانت فرنسا قد تبنت مبادرة في هذا الشأن شملت تسليم مطلوبين بواسطة محكمة الجنايات الدولية هما أحمد هارون وكوشيب، ثم عادت وخففت تلك الشروط بأن يجمد نشاط الاثنين، لكن فيما يبدو فإن الخرطوم لم توافق على شروط أخرى حملتها المبادرة التي كانت محل أخذ ورد في مباحثات مساعد الرئيس السوداني في باريس، إذ إن الأخير نفى بعد عودته من هناك ما نسب إليه في باريس بأن حكومة السودان تحتاج إلى وسيط غير مباشر بينها وبين محكمة الجنايات الدولية، وأصر على الموقف القديم بأنه لا تواصل مع الجنائية الدولية مباشرة أو غير مباشر، فهل يعني ذلك أن (الوساطة) الفرنسية بشأن المحكمة الجنائية الدولية قد وصلت الى طريق مسدود، أم أن خطوطها لم تزل مفتوحة بحذر؟
الشاهد، أن فرنسا هي اللاعب الأساسي في قضية دارفور، ولديها بخلاف التفويض الغربي الأمريكي معينات أخرى تتمثل في منافذها المفتوحة مع (قطر)، وهي الدولة التي يفترض أن تستضيف مباحثات سلام دارفور بين الخرطوم والفصائل المتمردة بدفع قوى من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي.
وهناك ورقة في يد فرنسا يمكن الضغط بها على الرافض الوحيد - حتى إشعار آخر - لمبادرة الدوحة، وتتمثل بعبدالواحد محمد نور، وليس مستبعداً استخدامها لتلك الورقة، لكن أحد المفاصل الضعيفة في التحرك الفرنسي هو وزير خارجيتها كوشنير، فهو جديد على العمل الوزاري الذي انتقل إليه من العمل الطوعي والإنساني، إذ كان يترأس منظمة أطباء بلا حدود، التي عملت في دارفور وربما لها أجندتها فيها. اللهم إلا إذا تخلى كوشنير عن رؤية منظمته السابقة المتشددة حيال حكومة الخرطوم التي تتسم بالتعاطف مع الحركات الدارفورية حاملة السلاح.
ويبقى سؤال مهم، هل تفويض أمريكا لفرنسا يعتبر تفويضاً شاملاً وكاملاً، أم فيه مرجعية خلفية؟ حتى الآن يمكن القول إن التفويض قطعاً يتضمن تسليم فرنسا (مفتاح) حل أزمة دارفور باعتبار أن كلا البلدين (أمريكا وفرنسا) عيونه على مصالحه في المنطقة، وعلى اليورانيوم والماء والبترول والنحاس، وكلها موارد حيوية بالنسبة لكليهما، وهناك ما يهم فرنسا أكثر من أمريكا وهو عدم المساس بتشاد المجاورة للسودان من قبل الخرطوم، ولهذا كان إصرارها منذ البداية على إصلاح ذات البين بين الخرطوم وأنجمينا وتطبيع العلاقات بينهما.
إذن.. هناك أمل في حل، بدأ يلوح في آخر النفق.
عندما كان نلسون مانديلا يقضي عقوبة السجن المؤبد في جزيرة "روبن"، تولى اوليفر تامبو قيادة المؤتمر الوطني لجنوب إفريقيا المحظور من الأقلية العنصرية الحاكمة آنذاك، وكان ثابو مبيكي يتولي مسؤولية العلاقات الخارجية للحزب ويقابله في حزب المؤتمر الإفريقي الجامع المنافس قورا إبراهيم، وكان الفرق بين الاثنين أن قورا يميل للأرقام والاستعراض اللغوي فيما يلتزم مبيكي بالوقائع والأحداث والتواريخ، ولما وقعت الزلزلة في جنوب إفريقيا ،1994 وآلت رئاسة البلاد للمناضل الأسطورة نيلسون مانديلا، توقع الكثيرون أن توكل حقيبة الخارجية ثابو مبيكي، لكن مانديلا فضل أن يستبق الإرهاصات والتكهنات بتعيينه نائباً للرئيس، وكانت الرسالة واضحة للقواعد ولعضوية حزب المؤتمر الوطني بأن مبيكي هو خليفة مانديلا المرتقب وحسم مانديلا بذلك جدلاً كان يدور في أوساط الحزب خاصة وفي جنوب إفريقيا عامة حول المنصب الثاني في الدولة، والذي كان يعتقد معظم المراقبين السياسيين بأيلولته لراما فوسا السكرتير العام لاتحاد نقابات العمال، وهو يساري متطرف الأيديولوجية، وبوضعه على رأس قطاع الاستثمار والاقتصاد والتنمية تخلص ثابو مبيكي من أقوى المنافسين له على مستوى الحزب، وهكذا وجد مبيكي نفسه في 1999 يدق على باب رئاسة الجمهورية بمبنى الاتحاد ببرتوريا حين أعلن مانديلا اعتزاله للعمل السياسي والعام، ولم يخذله الناخبون بل واستطاع أن يحصل على فترة رئاسته أخرى (خمس سنوات) في العام 2004 مما اعتبره الكثيرون انه نتاج تزكية ومؤازرة مانديلا.
في واقع الأمر، لم تكن مهمة مبيكي سهلة وميسورة وهو يخلف أب الأمة ورمز كفاحها وحامل لواء نضالها، فالتحديات كانت كبيرة وعلى رئاسة إثبات الرجل لنفسه في خلافة مانديلا من دون أن يخذل ناخبيه أو يخيّب أمل من وضعوا ثقتهم فيه، فخلال فترة رئاسته حرص مبيكي على استقرار جنوب إفريقيا اقتصادياً وسياسياً لتتمكن من لعب أكثر من دور في الساحة الإفريقية والعالمية، ورغم أن الغلاة في جنوب إفريقيا أو المتطرفين روجوا أن مبيكي في سبيل تدفق الاستثمارات على دولة قوس قزح، ضحى بتطلعات السود من خلال عملية التوازن التي اعتمدها في سياساته، لكن من المهم أن يتذكر الناس لمبيكي انه رغم نفيه لكون بلاده قوة ضاربة في القارة الإفريقية إلا انه احتفظ لبلاده بالقيادة والريادة في الإقليم الجنوب إفريقي وداخل منظمة الإقليم الاقتصادية (السادك) وفي الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (نيباد)، ولا ينسى الناس لمبيكي أن وساطته وراء الستار لحل المشكل السياسي في كينيا ثم وساطته المباشرة لحلحلة الأزمة في زمبابوي قد أبرزت حكمته ومقدرته على احتواء المصاعب والتحديات، ولعل المحطة الأخيرة التي توقف عندها قطاره كانت الخرطوم التي زارها مؤخراً لاحتواء تداعيات المحكمة الجنائية الدولية والتسريع بحل أزمة دارفور.
يمكن القول إن مبيكي داخلياً ورث تلالاً من المشاكل المستعصية، التي لم يكن معظمها من صنعه، وأهمها الهاجس الأمني، وإفرازات الهجرة الإفريقية لبلاده، وتطلعات بني جلدته المشروع، وغير المشروع، ومن خطل القول نسب فشل احتواء العنف الذي نشب ضد الأفارقة الوافدين في جنوب إفريقيا لحكومته، لأن التدبير كان مقصوداً لإحراجه وإحراج حكومته، وبنفس المستوى يمكن القول إن اعتدال مبيكي في معالجة قضية زيمبابوي قد جر عليه غضبة مضريه من حزب المؤتمر الوطني، وان الطامعين والطامحين داخل الحزب قد التفوا عليه بتضخيم ما اعتبروه إخفاقات في مجالات داخلية أو حسبوه انحيازاً للرأسمالية وإهمالاً لرفاهية الرعايا من السود الذين هزوا شجرة التمييز العنصري وما قطفوا ثمارها، وأياً كان الأمر، فإن ثابو مبيكي انصاع لرأي الأغلبية في حزبه عندما طلبوا منه التنحي عن رئاسة الدولة على خلفية تدخله في التحقيقات القضائية الخاصة بخصمه جاكوب زوما، نائبه السابق في السلطة الذي أصبح في ديسمبر/كانون الأول 2007 رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الحاكم عبر الانتخاب الذي كان بمثابة الانقلاب الداخلي على مبيكي، ومن ثم أطاحت الديمقراطية الرجل الذي يؤمن بها ويمارسها، وغير وارد أن يقود مبيكي انقساماً داخل الحزب الحاكم أو ينشئ حزباً جديداً، على الأقل في هذه المرحلة، ولكن من المؤكد أن أغلبية المثقفين وذوي التأهيل العالي في حزب المؤتمر الوطني قد يبتعدون عن تقلد مناصب رسمية في حكومة يشكلها جاكوب زوما، رئيس الحزب الذي يتمتع بالشعبية داخل الحزب لكنه يتمتع بقدر متواضع من التعليم.
لوساطة بين جيش الرب والحكومة الأوغندية والتي تولتها حكومة جنوب السودان بعد قيامها في العام ،2005 وصفت بأنها وساطة حيادية، وأن الدافع لها هو الافادة من تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تحارب الحكومة المركزية في الخرطوم لأكثر من عقدين من الزمان 1983 ،2005 والمتمثلة في عدم جدوى الاقتتال والاحتراب عبر حرب العصابات، باعتبار أن الحل للنزاع يكون عبر التفاوض والحوار وهو ما نجح في حالة الحركة الشعبية التي يتولى قادتها الآن حكم جنوب السودان.
وحقيقة الأمر أن عمليات جيش الرب ضد الحكومة الأوغندية ظلت متمركزة في شمال أوغندا المحاددة لجنوب السودان وعانى سكان جنوب السودان في مناطق التماس وخارجها من سلبيات حرب جيش الرب وتداعياتها، وهكذا فإن مبادرة حكومة جنوب السودان للتوصل إلى حل له مبرراته التي تضاف إليها العلاقة الحميمية التي ربطت بين الحركة الشعبية والرئيس الاوغندي يوري موسفيني، وقد عولت حكومة جنوب السودان على تلك العلاقة في إنجاح مسعاها ومرماها. ووفقاً للوكا بيونق وزير شؤون رئاسة حكومة الجنوب، فإن الوساطة عبارة عن عملية معقدة ومتداخلة ومستمرة منذ العام ،2006 ويصبح مفهوما دخولها في انفاق ومضبات ومطبات.. وشرح بيونق مايعني أن حكومة الجنوب منذ البداية أوضحت لزعيم جيش الرب، جوزيف كوني، أن خياراته محدودة بمعنى إما أن يقبل بالجنوح إلى السلم أو يرفض ويستعد للمواجهة العسكرية مع جيش حكومة جنوب السودان، وأضاف أن الرئيس الأوغندي نفسه ما كان متحمساً للفكرة، لكنه في النهاية قبل بها وأعلن وثوقه في نزاهة الوسيط، في الوقت الذي كانت مواقف جيش الرب في المفاوضات رمادية وضبابية إلى الحد الذي تخلف فيه زعيم جيش الرب لأول مرة عن الموعد المضروب لتوقيع اتفاق السلام في عاصمة الجنوب جوبا- رغم وصول الرئيس موسفيني، لكن حكومة الجنوب لم تغلق الباب وفضلت أن تتركه موارباً، وصبرت على وساطتها، ومرة أخرى عاد جيش الرب إلى طاولة التفاوض لكن بشروط مسبقة هي إسقاط تهم جرائم الحرب عن زعيم جيش الرب وبعض معاونيه، والتي سبق للحكومة الأوغندية أن رفعتها لمحكمة الجنايات الدولية في (لاهاي) وأصدرت الأخيرة قرارات إيقاف بحق جوزيف كوني وثلة من معاونيه. وكان لا بد من الوصول إلى صيغة مقبولة فاقترح الوسطاء بقيادة الدكتور رياك مشار نائب رئيس حكومة جنوب السودان أن تتم معالجة جرائم الحرب وفقاً للأعراف والتقاليد السائدة عند قبائل (الاشولي) في شمال أوغندا برعاية المحكمة العليا الأوغندية ويتسق ذلك المقترح تماماً مع العهد الافريقي الذي تبنته نيجيريا في عهد الرئيس السابق اولسون ابوسانغو، وطرحته على مجلس الأمن الدولي كمبادرة افريقية تنأى عن محكمة الجنايات في حالة جرائم الحرب وما شابه.
وفي الوقت الذي تم الإعلان فيه عن التوصل إلى اتفاق بين حكومة أوغندا وجيش الرب وتم تحديد موعد توقيعه الذي أعاقه هطول الأمطار ثم تأجل إلى موعد لاحق، فإن مدعي محكمة الجنايات الدولية لويس اوكامبو، صرح بأنه اجتمع مع مدير شرطة الجرائم الدولية (الانتربول) لبحث كيفية توقيف زعيم جيش الرب جوزيف كوني، وكأنما اختار ذلك التوقيت لإجهاض اتفاق السلام بين جيش الرب والحكومة الأوغندية، والذي صار قاب قوسين أو أدنى. وإذا كانت حكومة أوغندا جادة في أن يلقي جيش الرب سلاحه، فإن اسقاط التهم الموجهة لزعيمه ومعاونيه عبر محكمة الجنايات الدولية تسبق التوقيع على اتفاق السلام، ويبدو أن محاولة أوكامبو قد أثمرت لأن زعيم جيش الرب يتهرب من التوقيع على اتفاق السلام.
انتظرت الصين حتى طوت ألعاب الأولمبياد أذيالها في بكين وبدأت تحركها المساند للحكومة السودانية ضد المحكمة الجنائية الدولية، فقد وصل مبعوثها الخاص لدارفور تشاى جيون إلى الخرطوم في آخر شهر أغسطس/ آب والتقى عدداً من المسؤولين بمن فيهم الرئيس عمر البشير، وكان أقوى ما صدر له من تصريحات قوله إن بلاده لن تسمح بما يعرقل جهود التسوية الجارية في إقليم دارفور. والإشارة واضحة لمزاعم مدعى المحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، التي أُعلن المبعوث الصيني ضرورة تجاوزها بالإسراع في التوصل إلى حل عادل لأزمة دارفور من خلال تعاون بلاده المثمر مع الوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي البوركينابي، جبريل باسولي.. والتحرك الصيني مفهوم وتوقيته كذلك، فالصين عارضت قيام محكمة الجنايات الدولية وعارضت إحالة ملف دارفور إليها رغم اقتناعها بعدم افلات كل من اقترف جريمة تستحق العقاب خلال أزمة دارفور 2003-،2008 ذلك في جلسة مجلس الأمن الدولي بتاريخ 31 مارس/ آذار ،2005 لكنها اكتفت بالامتناع عن التصويت شأنها شأن الولايات المتحدة وروسيا، وكان يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) في ذلك اليوم.. تلك واحدة.. ثانيها إن الصين لها مصالحها في السودان، فعن طريقه انفتحت لها أبواب القارة الأفريقية، واكتفت في بداية معركة الخرطوم مع أوكامبو بالتأييد الحذر للسودان، أما الثالثة فتتمثل في إدراك الصين بأن الأجندة الخفية لكل من امريكا وبريطانيا وفرنسا في دارفور تشتمل على بند يخصها هي لوقف زحفها على القارة السمراء. وتبعاً لذلك فإن الصين طرف أصيل في قضية دارفور وليست مجرد مساندة للخرطوم بحكم الصداقة والتعاون القائمين بينهما، وهذا يفسر عزم الصين على المساهمة في حلحلة أزمة دارفور باستراتيجية تجمع بين الدبلوماسية والسياسة وبين التعاون والتنسيق مع الاتحاد الافريقي على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
ويرجع تاريخ العلاقات السودانية الصينية إلى خمسين عاماً خلت حينما اعترفت حكومة الجنرال إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 بالصين الشعبية، في زمن التراجع الدولي عنها والذي تركها خارج عضوية الأمم المتحدة نفسها.. وتطورت تلك العلاقات التي كانت قاصرة على صناعة النسيج والطرق والجسور، تطوراً دراماتيكياً خلال عهد الانقاذ الذي بدأ في الثلاثين من يونيو/ حزيران 1989.
والصين تعلم أن منطقة دارفور تعوم فوق بحيرة بترولية تتكاثف عند ما يعرف بالخريطة البترولية بمربع 12 الذي ينحدر من دارفور إلى تشاد وهو شان تتكالب عليه أمريكا وقبلها فرنسا، خاصة أن في باطن أرض دارفور نحاساً ويورانيوم ونهراً مائياً ضخماً، وقد روج للأخير العالم المصري بروفيسور الباز، ويعتقد البعض أن إسرائيل التي تصارع مبكراً من اجل الماء تلعب أصابعها في ميدان دارفور من طرف خفي، وتركز الصين في بحثها عن حل سريع لأزمة دارفور على العنصر السياسي مصحوباً بالبُعد الإنساني والعامل الإفريقي.. فهي تحمي مصالحها الاقتصادية والتجارية في السودان من جهة، وتعول على انفتاحها على القارة الإفريقية من بوابة دارفور نفسها من جهة ثانية، وتوطد صداقتها مع الخرطوم في نهاية المطاف، وهو ثالوث كفيل بأن يجعل الصين طليعة كتيبة مساندة السودان دولياً ومساعدته محلياً واقليمياً لينعتق من أسار أزمة دارفور.. وتبدو الصين واثقة من مقدرتها على تجاوز كافة التحديات المتعلقة بدارفور.
تزامنت زيارة المبعوث الأمريكي للسودان ريتشاد وليامسون إلى الخرطوم مع حضور وفدي منظمة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني لمؤتمر الحركة الإسلامية السودانية، وتزامنت أيضاً مع زيارة ثلاثة من قادة حركة العدل والمساواة الدارفورية لأمريكا بدعوة من وكالة الاستخبارات الأمريكية، كما تزامنت مع مغادرة وفد رفيع المستوى من الحركة الشعبية الشريكة في الحكم القائم إلى أمريكا عبر لندن بدعوة أيضاً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي هناك.
لابد أن وليامسون قد رفع حاجبيه لتوقيت مؤتمر الحركة الإسلامية، وحضور قوى (مشاكسة) لأمريكا من فلسطين ولبنان ذلك المؤتمر، فهل المقصود إيصال رسالة لواشنطن بأن استهدافها المستمر للحكومة السودانية، وغير المستتر في معظم الحالات، قد يجر إلى ارتماء الخرطوم في أحضان الغلاة والمتشردين، بما فيهم إيران الشرسة؟ وأياً كانت الإجابة، فمن الواضح أن الخرطوم الرسمية تبنت طرحاً دفوعياً في مسألة الجنائية الدولية، تخلت فيه عن التعبئة الشعبية بعدما ضمنت تلاحم الجبهة الداخلية، واتجهت إلى المعالجة السياسية والدبلوماسية من جهة والمعالجة القانونية من جهة أخرى.
ولعل أبرز ما قامت به الخرطوم هو إيفادها مبعوثين إلى العديد من الدول الإفريقية والعربية والإسلامية وبعض الدول الصديقة الأخرى لشرح موقفها من اتهامات مدّعي الجنائية الدولية.
وربما أهم جزئية في الرسالة التي نقلها المبعوثون إلى تلك الدول أن السودان يرى أن هناك وضعاً عالمياً جديداً يكرس هيمنة القوي على الضعيف بأسلوب جديد وبوجه استعماري غير مألوف، ويشتمل على خطة يمكن أن يكون السودان أول ضحاياها، لكن بالتأكيد أن الزحف على ضحايا آخرين وارد جداً إن لم يكن مؤكداً جداً. ونقل المبعوثون كذلك إلى زعماء تلك الدول التزام الحكومة السودانية بالتحرك لإرساء دعائم السلام في ربوع دارفور واستعدادها للحوار مع كل الفصائل والحركات الدارفورية حاملة السلاح، من دون استثناء، للتوصل إلى صيغة سلام عادل وشامل ومستدام، وربما ما لم تقله الحكومة التي أبرمت اتفاق سلام لأطول حرب في القارة الإفريقية في جنوب السودان في الخامس من يوليو/ تموز ،2005 أن ترتيبات وخطوات تحقيق ذلك السلام استمرت عشر سنوات لتكتمل، ومن ثم فإن الترتيبات الخاصة بسلام دارفور تلزمها فسحة وقت لتتحقق بالكامل وتستوفي مستحقاتها.
ومثلما وقفت المعارضة في خندق واحد مع الحكومة تجاه مسألة المحكمة الجنائية الدولية كأمر حتمي، فإن إشراك كل الفعاليات السياسية في عملية سلام دارفور شأن قومي، وأجدني متفقاً على ضرورة منح السلام في دارفور فرصة، وذلك بتأجيل أو تعليق أو تجميد طلب مدعي محكمة الجنايات الدولية بوساطة مجلس الأمن الدولي وفقاً للمادة 16 من ميثاق الأمم المتحدة. وهذا ما طالب به رسمياً الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومجموعة الدول الباسيفيكية الإفريقية الكاريبية وكتلة عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي، ولا أعتقد، كما أشار بعض رموز الحكومة، أن التأجيل يعني الاعتراف بالمحكمة أو بتهم مدعي الجنايات الدولية، لأنه أمر سياسي بالدرجة الأولى، ويأتي من بوابة مجلس الأمن الدولي، فالمهم أن تتحرك الحكومة السودانية، وسريعاً جداً، لاحتواء أزمتها في دارفور، والخيار واضح أمامها.
أخيراً انفرجت الأزمة السياسية في زيمبابوي، وهي روديسيا الشمالية سابقاً، الذي جثم على صدر شعبها حكم إيان شميت الذي ينتمي الى الأقلية البيضاء هناك، واتسم بكونه نظاماً عنصرياً ظل رئيسه يتبجج في المحافل الدولية بأنهم سيمكثون في الحكم لألف عام قادمة، لكن الكفاح العنيف الذي قادته جبهتان ثوريتان واحدة تنتمي للماركسية السوفييتية بقيادة جوشوا أنكومو، وأخرى تنتمي لماركسية الصين بقيادة روبرت موجابي، أدى إلى رحيل نظام شميت في مطلع العام 1980 بعد التوقيع على معاهدة لانكستر هاوس في لندن، والتي شملت بنداً بأن يظل المستوطنون البيض بعد الاستقلال مواطنين زيمبابويين يتمتعون بحق المواطنة وكل ما يترتب عليها من التزامات وامتيازات.
وزيمبابوي التي حكمها موجابي منذ الاستقلال وحتى الآن ظهرت فيها في العقد الأخير معارضة داخلية يقودها الحزب الذي يتزعمه مورجان تسفانجيري، بحسبان أن موجابي تحول من ثوري إلى ديكتاتور، وظلت ترفع شعار التغيير، فيما موجابي يقاوم من خلال أجهزته البوليسية والعسكرية والأمنية التي سامت المعارضين صنوفاً من التنكيل والمطاردة. وأعطت مقاطعة رابطة الشعوب البريطانية الكومنولث لحكومة موجابي وفرض عقوبات اقتصادية عليها ساندها الغرب، دفعة قوية للمعارضة الداخلية، خاصة بعدما ظهرت آثار المقاطعة في ارتفاع معدلات التضخم بصورة مخيفة، وشحت السلع في الأسواق وضرب الركود التجاري أطنابه وراجت السوق السوداء، وظل موجابي يدفع عن نظامة بأنه مستهدف من الغرب، لأنه قام بنزع المزارع من البيض ومنحها لقدامى المحاربين وللسود، وفيما ظل الغرب، والكومنولث تحديداً، يشير إلى خرق موجابي لأحد بنود اتفاق لانكستر هاوس، وفي كل الأحوال، فإن خطوة موجابي تلك أضرت باقتصاد بلاده لأنها صرفت أعداداً من البيض باستثماراتهم وأموالهم عن البلاد فهاجروا إلى زامبيا وجنوب إفريقيا وموزامبيق وناميبيا المجاورة، وإلى أوروبا واستراليا، وفي الوقت ذاته لم يكن السود الذين تملكوا المزارع قادرين على إدارتها لضعف مواردها وخبرتهم.
وكانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة في زيمبابوي في ابريل/ نيسان 2008 مدعاة لاتهامات متبادلة رغم أن نتيجتها برلمانياً كانت في مصلحة المعارضة ونتيجتها بالنسبة للرئاسة أدت لإعلان جولة ثانية بين موجابي وتسفانجيري، لكن الأخير رفض بحجة أن تزويرها وارد، وغادر زيمبابوي إلى بتسوانا خوفاً على حياته كما زعم. وعندما عاد التجأ إلى سفارة أجنبية، وفي كل هذا الخضم كانت دول إقليم الجنوب الإفريقي المنضوية تحت منظمة سادك بقيادة جنوب إفريقيا تحاول التوسط، لكن ثمة أصابع أشارت إلى أن الرئيس الجنوب إفريقي ثابو مبيكي يقف في خانة المجامل لموجابي فيما مبيكي يعلم عناد صاحبة ويدرك نقطة ضعفه الكامنة في قبوله في نهاية المطاف بحل إفريقي، وذلك هو ما حدث بالضبط.
لقد أذعن موجابي لحكم الإقليم وقبل بقسمة السلطة مع المعارضة، وتم توقيع اتفاق على ذلك بإشراف رئيس جنوب إفريقيا، وذلك في تقديري كان الحل الأمثل على غرار تجربة كينيا، التي انتهت بالانتخابات الأخيرة فيها بضعف غير مسبوق في بلد كان يعتبر واحة الديمقراطية في إفريقيا، وأمكن تجاوزها بقبول اقتسام السلطة، لكن غير واضح حتى الآن كيف ستكون القسمة في زيمبابوي فهل سيصبح مورجان تسفانجيري رئيساً تنفيذياً للوزراء، ويكتفي موجابي بالرئاسة الوجاهية او الرمزية؟
الذين يعرفون موجابي يقولون إنه لن يرضى بدور هامشي، وإذا قبل به فإن أجهزته الأمنية، خاصة قيادة الجيش ستصر على معادلة لا تسحب البساط تماماً من الرجل بعد 28 عاماً في السلطة المطلقة.
المهم الآن، وبعد اقتسام السلطة في زيمبابوي بين موجابي ومعارضه تسفانجيري، هل يرفع الغرب حصاره؟ وما مصير وعد بريطانيا بدعم المليوني جنيه استرليني، في حال فازت المعارضة في الانتخابات، الأمر الذي أخذه موجابي وقتها على المعارضة، ووصفها بالعمالة للأجنبي والائتمار بأمره والبقاء تحت عباءته؟
هب أن بريطانيا جددت عرضها بعد الاتفاق، فهل يقبل موجابي، خاصة إذا كان العرض مشروطاً؟