من الواضح أن الإدارة الأمريكية، بل أمريكا كلها، في حالة انشغال وترقب للانتخابات القادمة، وجاءت الأزمة المالية لتشغلها أكثر ولتجعلها أكثر حساسية، خصوصاً في الجانب المتعلق بحلفائها الأوروبيين، وزادت الطين بلة رياح الحرب الباردة التي أطلت بوجهها من بوابة الدب الروسي بعد أزمة جورجيا، ما يوحي بأن القطبية الأحادية بدأت عدّها التنازلي، وهكذا تسلمت فرنسا ملف أزمة دارفور رغم أن ممثل جورج بوش للسودان، ريتشارد وليامسون، هرع الى الخرطوم نهاية الاسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2008 في مهمة اللحظات الأخيره لتحسين علاقات السودان بتشاد من أجل عيون دارفور، وإلحاح المسيرة السلمية فيها مع إكمال نشر القوات الهجين أو القوات المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. وذلك كله يصب في مساعدة أمريكا لفرنسا في تحمل مسؤولية ملف دارفور نيابة عنها.

وأكد ذلك، الترتيب للزيارة التي قام بها إلى فرنسا في مطلع أكتوبر 2008 مساعد رئيس الجمهورية السودانية د.نافع على نافع الممسك بملف أزمة دارفور، حيث أجرى مشاورات مع المسؤولين الفرنسيين حول الأوضاع في دارفور عامة، وبحث خارطة طريق لها تتضمن لعب باريس لدور مهم بالضغط على زعيم حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، المقيم في فرنسا، ليشارك في اجتماعات مبادرة (الدوحة) الرامية لتوحيد صف المعارضة الدارفورية، بغية إيجاد حل سريع ودائم للأزمة التي ظلت تجرجر أذيالها منذ العام ،2003 وتسببت في تشريد ولجوء الآلاف ومقتل الآلاف. وحسب مصادر عليمة فإن مساعد الرئيس السوداني بحث مع الفرنسيين مسألة تعليق توقيف الرئيس عمر البشير التي طالب بها مدعي محكمة الجنايات الدولية. وكانت فرنسا قد تبنت مبادرة في هذا الشأن شملت تسليم مطلوبين بواسطة محكمة الجنايات الدولية هما أحمد هارون وكوشيب، ثم عادت وخففت تلك الشروط بأن يجمد نشاط الاثنين، لكن فيما يبدو فإن الخرطوم لم توافق على شروط أخرى حملتها المبادرة التي كانت محل أخذ ورد في مباحثات مساعد الرئيس السوداني في باريس، إذ إن الأخير نفى بعد عودته من هناك ما نسب إليه في باريس بأن حكومة السودان تحتاج إلى وسيط غير مباشر بينها وبين محكمة الجنايات الدولية، وأصر على الموقف القديم بأنه لا تواصل مع الجنائية الدولية مباشرة أو غير مباشر، فهل يعني ذلك أن (الوساطة) الفرنسية بشأن المحكمة الجنائية الدولية قد وصلت الى طريق مسدود، أم أن خطوطها لم تزل مفتوحة بحذر؟

الشاهد، أن فرنسا هي اللاعب الأساسي في قضية دارفور، ولديها بخلاف التفويض الغربي الأمريكي معينات أخرى تتمثل في منافذها المفتوحة مع (قطر)، وهي الدولة التي يفترض أن تستضيف مباحثات سلام دارفور بين الخرطوم والفصائل المتمردة بدفع قوى من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي.

وهناك ورقة في يد فرنسا يمكن الضغط بها على الرافض الوحيد - حتى إشعار آخر - لمبادرة الدوحة، وتتمثل بعبدالواحد محمد نور، وليس مستبعداً استخدامها لتلك الورقة، لكن أحد المفاصل الضعيفة في التحرك الفرنسي هو وزير خارجيتها كوشنير، فهو جديد على العمل الوزاري الذي انتقل إليه من العمل الطوعي والإنساني، إذ كان يترأس منظمة أطباء بلا حدود، التي عملت في دارفور وربما لها أجندتها فيها. اللهم إلا إذا تخلى كوشنير عن رؤية منظمته السابقة المتشددة حيال حكومة الخرطوم التي تتسم بالتعاطف مع الحركات الدارفورية حاملة السلاح.

ويبقى سؤال مهم، هل تفويض أمريكا لفرنسا يعتبر تفويضاً شاملاً وكاملاً، أم فيه مرجعية خلفية؟ حتى الآن يمكن القول إن التفويض قطعاً يتضمن تسليم فرنسا (مفتاح) حل أزمة دارفور باعتبار أن كلا البلدين (أمريكا وفرنسا) عيونه على مصالحه في المنطقة، وعلى اليورانيوم والماء والبترول والنحاس، وكلها موارد حيوية بالنسبة لكليهما، وهناك ما يهم فرنسا أكثر من أمريكا وهو عدم المساس بتشاد المجاورة للسودان من قبل الخرطوم، ولهذا كان إصرارها منذ البداية على إصلاح ذات البين بين الخرطوم وأنجمينا وتطبيع العلاقات بينهما.

إذن.. هناك أمل في حل، بدأ يلوح في آخر النفق.