أياً كانت النتائج التي سوف تسفر عنها المحرقة التي اقترفها الكيان الصهيوني في غزة، فإن الفلسطينيين بالدرجة الأولى، وأشقاءهم العرب بالدرجة الثانية هم المستفيدون، فقد كشفت المحرقة للعالم عن مدى الوحشية والحقد المخزون في صدور أبناء الكيان الاستيطاني الذي افتقد الحد الأدنى من احترام الحياة ومراعاة المشاعر الإنسانية، وهو يوغل يومياً في قتل الأطفال والنساء، ويدعو مواطنيه من أماكن بعيدة لينتظموا في صفوف عريضة يتفرجون خلالها على عمليات القتل والتدمير، وتتغذى عيونهم ومشاعرهم الميتة بمناظر أكوام القتلى وبرؤية المساجد والمستشفيات والمنازل والمدارس المهدمة.

أي مجتمع لا إنساني هذا الذي يتكون منه هذا الكيان العدواني؟ وأي صورة ارتسمت له في أذهان العالم، وفي الطليعة محبو العدل والحق والحرية، أولئك الذين عبروا عن مواقفهم الاستنكارية الرافضة للمحرقة وقتل الأطفال من خلال المظاهرات التي احتشدت لها مئات الآلاف، وطافت شوارع العواصم الكبرى في العالم، من طوكيو إلى واشنطن، ومن بكين إلى لندن.

ولا ندري كيف يمكن للمطبوعين بأحاديث التطبيع والسلام المزعوم أن يظهروا للناس وجوههم بعد هذه المحرقة؟ وأي نفوس جامدة وخالية من أبسط مشاعر الحياء هي تلك التي تجعلهم يظهرون في حياتنا من جديد، سواء أكانوا يرتدون الملابس الفلسطينية أو أي ملابس عربية؟ وهل ما زال في مقدور واحد من هؤلاء المطبّعين والمطبلين للاحتلال أن يطلع بقلمه في صحيفة أو بوجهه المستعار في فضائية ليقول ما كان يقوله قبل المحرقة.

لقد خسر الصهيوني ما في ذلك أدنى شك. وخسر الذين يساندونه أو يحاولون التطبيع معه، ونحن قبل ذلك وبعده على يقين من أن النتائج أياً كانت ستكون انتصاراً للمقاومة وهزيمة للعدوان الظالم المتوحش الذي استخدم كل ما في جعبته وما في الترسانة الأمريكية من أسلحة محرمة على مدينة محاصرة جائعة. إن ما حدث رغم آثاره الدامية والفاجعة، إنما هو انتصار للمقاومة بمعناه الأوسع، المقاومة في فلسطين، وفي العراق، وفي لبنان، وفي الصومال، وفي أفغانستان، وفي كل مكان من العالم، وهو انتصار لفلسطين ولكل فصائله المقاومة التي اختارت هذا النهج الصحيح باعتباره الأنجع والأفضل للوصول الى الهدف وهو تحرير الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يخفى والحديث هنا عن المقاومة المسلحة أن قطاعاً كبيراً واسعاً من قواعد حركة فتح مع اختيار المقاومة وهو مشارك فيها، ومن هنا تكون المحرقة مع كل ما كبدته الأشقاء من خسائر في الأرواح ومعاناة أليمة مناسبة للتصالح ورفض الانقسامات على كل صعيد.