مراهقة إعلامية

فنجان قهوة
11:48 صباحا
قراءة 3 دقائق

لسنا بحاجة إلى فضيحة إعلامية تتحدث عنها الجرائد لكي نكتشف أن ما تقدمه بعض الفضائيات العربية مجرد مسلسلات من الفضائح التي يمجها الذوق، وترفع الضغط، وتفقع المرارة، ففي دراسة أجرتها كلية الإعلام في إحدى الجامعات المصرية تبين أن 72% من اللقطات التي تظهر في أغاني الفيديو كليب لقطات إباحية لا حاجة فنية لها في الأغنية إلا عرض ما يجب أن يُستر من الجسد، ومداعبة غرائز المشاهدين، ولو مرت هذه اللقطات على رقيب لحذفها دون تردد.

وقبل مدة استضافت إحدى المحطات الفضائية التي نعترف أن نسبة المراهقة الفنية فيها منخفضة، ولكنها استعاضت عن هذا الانخفاض برفع نسبة المراهقة السياسية إلى درجة تتجاوز كل الخطوط الحمراء، استضافت مفكراً عربياً للمشاركة في برنامج حواري، يناقش مشكلة من المشاكل الكثيرة التي يعاني منها معظم الوطن العربي المنكوب بإعلامه وسياسييه، وقبل بدء التصوير، جلس مقدم البرنامج، كما هي العادة، مع ضيفه المفكر ليوضح له محاور النقاش، ولكنه لم يفعل ذلك وإنما قال: أريد منك أن تمسح الأرض بالمشاركين الآخرين في البرنامج فقال له الرجل: ولكنني لم آت هنا لتمسيح الأرض بأحد، لقد أتيت لأعرض موقفي وقناعاتي فقط فقال له المقدم: لا .. لا.. أريدك أن تمسح بهم الأرض ليكون هنالك سسبنس في النقاش فاعتذر الضيف عن المشاركة وكتب ما جرى له في مقال نشره في إحدى الصحف ليكتشف في النهاية أن مقدم البرنامج قال كلاماً مشابهاً للضيوف الآخرين. وفي ظل مراهقة سياسية من هذا النوع ليس من الغريب أن نجد البرامج الحوارية السياسية وقد تحولت إلى مقاه تعج بالمشاغبين وكل واحد منهم يحمل شومة يريد أن يضرب بها الآخر، كما ليس من الغريب أن نسمع أن وزارات الإعلام في الدول العربية تعقد المؤتمرات لصياغة ميثاق إعلامي يفرض رقابة على الفضائيات.

ويتحدث المفكر اللبناني منح الصلح عن المراهقة الإعلامية في بعض الفضائيات العربية فيقول إنه دعي عام 2004 للمشاركة في برنامج حواري في إحدى القنوات الفضائية، وعندما بدأ البث على الهواء مباشرة فوجئ بالمذيعة تطرح سؤالها الأول بطريقة لا علاقة لها بالتقاليد الإعلامية المعروفة، لأنه يحمِّل ضيف البرنامج موقفاً يتنافى مع كل مواقفه وقناعاته، فحاول تعديل صيغة السؤال، وشعرت المذيعة بأن الفرصة الإعلامية جاءت إليها على طبق من فضة، فها هي أحرجت ضيفها منذ البداية وسوف تسيطر على النقاش، فأعادت السؤال بصيغته الأولى، فاعتذر منح الصلح عن الاستمرار وأعلن انسحابه، وغادر الاستوديو أمام المشاهدين، وترك المذيعة وحيدة.

وقبل مدة قدمت إحدى الفضائيات تحقيقاً عن فتيات الليل. وفتيات الليل لسن موضوعاً صحافياً إلا إذا تحولن إلى ظاهرة تشكل خطراً على المجتمع، وقد كانت أجهزة الإعلام دائماً تعتبرهن فئة معزولة وتتجنب تسليط الأضواء عليهن، إذ ما هي الحكم والمواعظ التي يمكن ان يأخذها القارئ أو المشاهد من فتاة الليل؟ المهم، وبعد إذاعة الحلقة اكتشفنا أنها مفبركة، وأن فتيات الليل المزعومات مستأجرات لتمثيل دور ولا علاقة لهن بالليل ولا ببناته، ولكن التداعيات لم تقف عند هذا الحد، فقد تعرف خطيب الفتاة الأولى إلى صوت خطيبته وفسخ الخطوبة، وتعرف زوج الثانية إلى صوت زوجته وطلقها، أما الثالثة فقالت في مقابلة أجرتها إحدى المحطات التلفزيونية معها إنها مهددة بالقتل في أية لحظة من جانب أهلها في الصعيد لما سببته لهم من فضائح.

وانتشار الفضائيات في الوطن العربي ظاهرة صحية من الناحية الإعلامية، ولكنها تصبح ظاهرة شديدة الخطورة عندما يهيمن عليها المراهقون.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"