لا نعلم بالتأكيد من الذي ابتكر المصطلح الذي ساد وشاع تحت اسم المصالحة الفلسطينية، وكأن عملية بناء كيان وطني فلسطيني متماسك وصلب على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي مجموعة اجراءات وطقوس لحل نزاع عشائري.

إن الشأن الفلسطيني أبعد من ذلك وأوسع، إنه شيء مختلف وشائك، وفي الرأي السائد يبدو الأمر وكأنه نزاع على السلطة، ولكن الأمر الغريب هو أن النزاع يتأجج ويشتد، وأن السلطة كمفهوم مزجي للحرية والديمقراطية، وممارسة استقلالية غير متوافرة على الإطلاق.

في مجتمعنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وبكل ألوان المعاناة اللا إنسانية والوحشية التي يمارسها الاحتلال الاسرائيلي، سوف نضع المصالحة بكل إيحاءاتها الغوغائية جانباً، ونحاول النظر في الأمور التي تستوجب هذه المصالحة، والتي تتمثل في الأزمة الفلسطينية، كوطن وشعب، في ظروفها الراهنة.

في الضفة الغربية نظام سياسي مدعوم من حركة فتح ويسير على نهج منظمة التحرير الفلسطينية في التوصل إلى حل سياسي مع إسرائيل عن طريق المفاوضات. وفي قطاع غزة نظام سياسي مدعوم من حركة حماس يقوم على قاعدة لاءات الخرطوم الثلاث (1967)، ويرفع شعار تحرير فلسطين بالوسائل العسكرية. ومع ذلك فإن الطرفين، في واقع غير معلن، يعانيان من عزلة عربية، فالعرب لا يريدون الانغماس سلباً أو إيجاباً مع المفاوضين الفلسطينيين، وعلى الجانب الآخر فإنهم لن يقاتلوا مع المحاربين، لأن لاءات الخرطوم (1967) تحولت إلى مبادرة السلام العريبة (2002).

لو أخذنا تعبير المصالحة على علاّته، نجده يختلف في المضمون بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فالمصالحة في الضفة الغربية تعني أن تسير حماس على نهج منظمة التحرير الفلسطينية في الحل السياسي. والمصالحة في قطاع غزة تعني أن يمتد نهج حماس إلى الضفة الغربية، ومن الواضح أن المواقف المتصادمة للطرفين، والتأثيرات العربية والإقليمية والدولية عليهما لا تمكنهما من التوصل إلى الحل المتمثل في الوحدة الوطنية.

العالم الذي يتفرج على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تندرج في صفوفه الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، والدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي، وتشكل شعوب هذه الدول للفلسطينيين الملايين من الأشقاء العرب والاخوة المسلمين، وبالتأكيد لدى هؤلاء الأشقاء والإخوة ما يغطي حاجة سكان قطاع غزة من الغذاء والدواء والوقود، ولكن ليس لديهم الوسيلة لإيصال هذه الحاجات.

في مواجهة الصلف الإسرائيلي، طالب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الأمم المتحدة (15/11/2008) بتطبيق البند السابع من ميثاقها (الذي يعني استخدام الوسائل العسكرية) لفك الحصار المفروض على غزة، وقال الرئيس اليمني: إن من المعيب أن يظل العالم متفرجاً على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من مآس إنسانية يندى لها الجبين نتيجة نقص الغذاء والدواء والوقود من دون أن يحرك العالم أي ساكن لإنهاء تلك المأساة.

إن تطبيق البند السابع (وهذا لن يحصل)، يعني إنزال قوات طوارئ دولية في قطاع غزة للسيطرة عليه حتى يصل الغذاء والدواء والوقود لسكانه، وهذا ما لن تقبل به حركة حماس.

من جانب عربي آخر، فإن مصر تؤيد على الصعيد السياسي حل الدولتين، وعلى صعيد الوضع الفلسطيني الحالي، فإنها تحاول تحقيق اتفاق بين الأطراف الفلسطينية، وذلك دون تجاوز هدف تحقيق الدولتين، وحتى تخفف من ضغوط الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، وربما كذلك، تحقيق هدف غير معلن هو تفادي قيام صدام عسكري واسع بين حماس وإسرائيل.

خلال هذا التأزيم الفلسطيني الذاتي، تطل علينا من إسرائيل ثلاثة رؤوس، تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما تعلن عن عدم رضاها عن دعوة أولمرت للانسحاب إلى خطوط ،1967 وإيهود باراك رئيس حزب العمل يفصح عن النوايا المضمرة بأنه لولا الأسير شاليت لوجهت إسرائيل ضربة قوية ل حماس، أما بنيامين نتنياهو فقد أعلن بأنه سيتوقف عن المفاوضات مع الفلسطينيين إذا فاز في الانتخابات المقبلة.

وعلى الساحة الدولية يتحرك أعضاء اللجنة الرباعية، أي الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، أما نحن العرب فلا صحو ولا حركة.

المؤسف أنه بعد أن تحولت المصالحة الفلسطينية، بمفاهيمها المختلفة، والمتصادمة إلى لعبة دولية، لم تعد لدى الفلسطينيين، بقدراتهم المحدودة والمبعثرة، القوة لاتخاذ قرارات نابعة من مصالح شعبهم.

وإننا نرى أن كل من يشارك من القادة الفلسطينيين والعرب في تبديد الوقت لإطالة عملية معاناة هذا الشعب، ودحرجته من مرحلة سيئة إلى مرحلة أسوأ منها يتحمل مسؤولية إلحاق الضرر بهذا الشعب وقضيته الوطنية.