د. محمد الصياد

معسكر القطاعين المالي والمصرفي يعتبر اليوم الحاكم الفعلي ليس للاقتصاد الأمريكي وحسب وإنما للولايات المتحدة نفسها ذكرنا في مقالنا السابق «نهاية دعه يعمل دعه يمر» المنشور على هذه الصفحة بتاريخ 2 يناير/‏كانون الثاني 2018، أنه في عام 1926، نشر الاقتصادي الانجليزي المعروف جون كينز، مؤلفه «نهاية شعار دعه يعمل»
(The End of Laissez-faire) الذي استعرض فيه تاريخ السياسة الاقتصادية التي بقيت تعمل بشعار «دعه يعمل». في هذا الكتاب، فإن كينز، وإن اتفق من حيث المبدأ مع القول والممارسة الذائعين (آنذاك)، بأن حرية حركة الناس في السوق لمتابعة شؤون مصالحهم من دون تدخل الدولة، تتوفر على فرصة أفضل لتطوير الوضع الاقتصادي للمجتمع مما توفره البدائل الاشتراكية، إلا أنه رأى بأن للدولة دورا بناء يجب أن تضطلع به لحماية أفراد المجتمع من المضار السيئة للدورات الرأسمالية، لا سيما البطالة، وتشجيع الادخار والاستثمار عبر أقنية وطنية منتجة، ووضع سياسة وطنية حول حجم السكان المناسب، ونشر المعلومات حول حقيقة الأحوال الاقتصادية.
ويمكن اعتبار المنظور الذي طرحه جون كينز آنذاك، أول تحول نوعي في الاقتصاد السياسي للرأسمالية وفي الفكر الاقتصادي العالمي عموما، من حيث جرأته في مقاربة «التابو» الذي شكل عماد الممارسة الرأسمالية الحرة التي كان وضع أساسها الفيزيوقراطيون قبل أن يستنسخها منهم الكلاسيكي آدم سميث. فلقد استنبط كينز سرعة حركة السوق و«تفلتها»، مقارنة بالحركة البطيئة والمتثاقلة للبيروقراطية الحكومية، وإنَّ ترك حبل البعير على سنامه «ليرعى كيفما شاء (على الغارب)»، كما يذهب المثل الشعبي، من شأنه إشاعة الاضطراب والفوضى في السوق، وذلك برسم أزمة الكساد العظيم (1929-1934).لم تعمر الكينزية طويلا في الممارسة الاقتصادية لبلدان المركز الرأسمالي. كان عقدا الخمسينات والستينات، العصر الذهبي للكينزية، حيث طبقتها الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية البلدان الرأسمالية المتقدمة، فكان أن ساهمت في خلق معدلات عالية للتوظيف، والازدهار أكثر مما حققه مذهب السوق الحرة. وبحسب المؤرخين الاقتصاديين، فإن الفترة من 1951-1973 شكلت العصر الذهبي ليس للكينزية وحسب، وإنما للرأسمالية، نظرا لمعدلات النمو العالية التي كان يحققها الاقتصاد العالمي، ومعدلات البطالة المنخفضة، ومستويات اللامساواة الخفيضة، والدين العام المنخفض، والوتيرة الضعيفة للأزمات الاقتصادية. ولكن نهاية ثمانينات القرن الماضي، دشنت نهاية العصر الذهبي للكينزية، حيث استغلت المدرسة الليبرالية الجديدة ظاهرة الركود التضخمي (Stagflation) التي طبعت أداء الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الأوروبية المرتبطة به في سبعينات القرن الماضي، لشن هجوم كاسر ضد الكينزية بهدف الحلول مكانها لدى صناع القرار في واشنطن ولندن خصوصا. ومنذ أواخر ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم تهيمن تطبيقات ما سمي ب«إجماع واشنطن» (Washington Consensus) على فكر وعمل الاقتصاد العالمي، وهو توصيف استخدمه الاقتصادي الانجليزي جون وليماسون في عام 1989 للإشارة إلى اتفاق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، على اعتماد مقاربة حرية الأسواق وإطلاق قوى السوق، والتي أخذت تسميتها لاحقا «أساسيات السوق» «Market fundamentalism» أو «الليبرالية الجديدة» (Neoliberalism). فكانت تلك بمثابة «العودة المظفرة» لمذهب «دعه يعمل دعه يمر» في ثوبه الجديد ال«نيو ليبراليزم» (الليبرالية الجديدة). لكن بعد أزمة 2008 وعلى نحو مفاجئ لبس معظم الاقتصاديين في الولايات المتحدة ثوب الكينزية وراحوا ينظِّرون بتقوى وورع كينزي عجيب وغريب. لكن ذلك كان مؤقتا، إذ سرعان ما عادوا إلى مواقعهم الليبرالية الجديدة وانضموا إلى معسكر القطاعين المالي والمصرفي، الذي يعتبر اليوم الحاكم الفعلي ليس للاقتصاد الأمريكي وحسب وإنما للولايات المتحدة نفسها. وقد تأكد ذلك إبان الأزمة من دوره الأخطبوطي في إقرار حزمة الإنقاذ المالي الحكومية لصالح البنوك والشركات المالية لإنقاذها من الإفلاس رغم أنها كانت المتسبب الأول في اندلاع الأزمة. هنالك اليوم بالتأكيد اقتصاديون كبار من حملة نوبل في الاقتصاد ما زالوا يدفعون بضرورة العودة إلى التطبيقات الكينزية. .