نظلم تاريخ الشاعر المصري أمل دنقل إذا اعتبرنا أن شعاع قصيدته يتكثف فقط في نصّه الإبداعي الشجاع لا تصالح، فهذه القصيدة التي جلبت الشهرة إلى دنقل، وارتبط اسمه بها وكأنها أول وآخر ما كتب، تقف إلى جانبها قصائد أخرى لشاعر زرقاء اليمامة، لا بل من هذه الناحية كتب دنقل قصائد تتفوق على لا تصالح، غير أن قصيدة الشهرة هذه قد تم تسييسها أو توظيفها سياسياً، خصوصاً أنها صرخة احتجاج على زيارة الرئيس المصري إلى القدس في العام ،1977 ولكن هناك من يقول إن القصيدة كتبها دنقل قبل الزيارة، وبذلك فهي نصّ شعري تنبؤي إذ كان الشاعر يتوقع أن يقوم بعض العرب بإبرام اتفاقيات سلام وصلح مع الكيان الصهيوني، ومهما كان تاريخ كتابة لا تصالح، فهي مبنية في الأساس على واقعة حرب البسوس بين قبيلة تغلب وقبيلة بني شيبان، وسبب الحرب التي يقال إنها استمرت 40 عاماً مقتل ناقة، وعبارة لا تصالح في قصيدة دنقل قائمة على وصية أخ كليب بأن لا يصالح بني شيبان بعد موته .

التوظيف التاريخي لواقعة الحرب، والإسقاط الشعري على زيارة السادات للقدس التي على إثرها، وفي 26 مارس/ آذار 1979 وقّع مع بيغن اتفاقية كامب ديفيد . . كل ذلك قراءة سياسية نقدية للقصيدة، لكن أمل دنقل نفسه ربما كان مأخوذاً بالحرب العبثية، حرب البسوس، التي هُدر فيها الكثير من الدم بسبب ناقة، وأقول ذلك استناداً إلى المناخ العام لشعر دنقل، هذا الشعر اليومي الشفاف الهارب دائماً من المنبر السياسي والشعارات السياسية، ولذلك، أعود إلى القول إن قصيدة لا تصالح لا يمكن أن تختم بالشمع الأحمر على كل شعر دنقل، فله قصيدة في منتهى العذوبة بعنوان زهور، كتبها وهو على فراش المرض، وله قصيدة أكثر عذوبة بعنوان الطيور، وإذا قرأت قصيدته شيء يحترق يلوح لك طيف نزار قباني الأخضر .

عاش أمل دنقل نحو 43 عاماً فقط، ولكن رنينه الشعري، خصوصاً في الساحة الثقافية المصرية، مازال يرسم أقواساً ودوائر تتسع وتتسع، حتى كأن حضوره رغم أنه رحل في أوائل ثمانينات القرن الماضي، يطغى على المئات من الشعراء المصريين وغير المصريين .

[email protected]