نَحْرٌ أم انتحار؟

أفق آخر
04:43 صباحا
قراءة 3 دقائق

كانت الأغاني الشعبية الفلسطينية الأكثر رواجاً في فلسطين خلال النصف الأول من القرن الماضي أفضل وثيقة وجدانية دامغة للاحتلال والانتداب وثقافة الوصاية، إنها من جهة مادة بالغة الحيوية والدلالة في التاريخ الشفوي، ومن جهة أخرى افتضاح شعبي سليط للخيانات، والتقصير وكل ما كان يتناسل في أوكار الهزيمة.

إحدى تلك الأغاني حذرت العرب من انتحار ذوي القربى إذا بلغ سيل الدم الزبى، وهو الآن يتجاوز الزبى بحيث يمكّن لمن غرق في دمه أن يطفو عليه، بحيث لا ينجو إلا إذا كان الثمن الحياة نفسها، وما ينشر من تقارير عن الأحوال النفسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب المحاصر وبالتحديد في نابلس وما حولها ينذر بكوارث غير محسوبة، فلم يكن الانتحار المجاني وغير الموظف لأهداف وطنية معروفاً خلال سنوات الانتفاضتين الأولى والثانية، واستطاع الناس في ذروة الحصار والملاحقة ان يبتكروا قوانينهم الخاصة ودفاعاتهم الباسلة، فقد حولوا الدجاج في بيوتهم إلى حمام زاجل ينقل الرسائل عبر أسطح البيوت في ساعات منع التجول، وصار التكافل الاجتماعي نموذجاً صادماً لمن لم يروا من زجاجة الزيت الفلسطينية غير نصفها الفارغ، لأن قانون التحدي والاستجابة أطلق لدى الناس إمكانات كانت هاجعة واستدعى الشعب المحاصر كل احتياطياته النفسية والتراثية وقاوم حتى فرض على العالم اللامبالي أو المنوّم صهيونياً أن يلتفت إليه.

والشعب ليس عجينة يعاد تشكيلها، إن له أسراراً يجهلها غزاته، لهذا يفاجأ بردود فعل لم ترد في حواسيب أجهزته الأمنية، إذ لم يكن يخطر ببال المحتل الذي يتعثر بالحجارة في الطرق أنها سوف تتحول إلى أسلحة بأيدي الأطفال، ولم يخطر ببال الجنرالات أن العلم الفلسطيني المحظور رفعه، سيتحول إلى بطيخة مشطورة إلى نصفين، كي تتدرج ألوان الراية فيها بأحمرها القاني وأسودها الحدادي وأبيضها القادم من ندف الياسمين على أضرحة الشهداء.

والحالات التي ترصدها وسائل الاعلام لبعض الناس الذين فقدوا الرجاء وأوشك اليأس أن يفترسهم فيدمروا أنفسهم ليست ظاهرة ولن ترقى ذات احتلال إلى مستوى الظواهر العامة.

ونسبة الانتحار بين أفراد الجيش الصهيوني الهاربين من الخدمة العسكرية أو في صفوف الفلاشا الذين يسمون أنفسهم يهود اليهود لا تزال ذات منسوب يليق بموسوعة جينيز لأن العدمية وفقدان الهدف هما السبب المباشر لفقدان الرشد وانعطاب البوصلة، لكن هذا لا يعني بأية حال ترك الشعب المحاصر يقاتل مع ربه ونحن جميعاً قاعدون أو متقاعدون، فالإغاثة ليست دائماً عسكرية والمعتصم الذي ينادى الآن بأسمائه المستعارة ليس مطلوباً منه امتطاء حصان أو دبابة أو طائرة وعبور النهر إلى البحر، إن الفلسطينيين رغم آلامهم يدركون ما آل إليه الوضع العربي، ويعرفون أن مفهوم الأسر أوسع من السجون والزنازين، فثمة ملايين العرب الأسرى في عقر دورهم.

المطلوب الآن لإغاثة المنكوبين بالاحتلال والحصار والتجويع والتيئيس المبرمج هو أقل بكثير من أضعف الإيمان، وإذا استمرت المتوالية المدمرة على هذه الوتيرة وسط الصمت المريب، فإن الأفق قد ينسد تماماً، وبالتالي يستفرد الاحتلال بضحاياه، بمعزل عن أية كوابح أو مصدات محلية أو إقليمية أو حتى دولية.

إن ما قاله الشاعر الشعبي الشهيد نوح إبراهيم في ثلاثينات القرن الماضي يتردد صداه الآن في أزقة نابلس والقدس وعلى تخوم تلك الثغور البحرية العريقة التي هاجر أهلها لكنها لم تهاجر ولن تهاجر، سواء في القواميس أو الخرائط.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"