هل تحرير الضفة يبدأ من غزة؟

12:23 مساء
قراءة 3 دقائق

قد يبدو هذا التساؤل غريباً ومثيراً للجدل والانتقاد في آن واحد، فأنا أقصد بتحرير الضفة إزالة الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة الكاملة، والسؤال هنا هل بالخيار التفاوضي السلمي أم بخيار المقاومة أم بالاثنين معا؟ صحيح ان القوات الإسرائيلية انسحبت من قطاع غزة لإعتبارات كثيرة لا يمكن تجاهل أي منها، فإسرائيل كانت لها حساباتها الأحادية، ولا تريد غزة، وكما قال أحدهم ابعدوا غزة عن تل أبيب. لكن في الوقت ذاته لا يمكن إنكار دور المقاومة والتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ورغم انسحاب القوات الإسرائيلية أو إعادة تمركزها، إلا أنها ظلت متحكمة بالمعابر والمنافذ الواصلة قطاع غزة بالعالم الخارجي، وبمجرد أن خرجت القوات الإسرائيلية ذهبت كل التنظيمات لتسجل الانسحاب بفضلها وتناسى الجميع حقيقة الشعب الذي كان وما زال يدفع الثمن وغيره يجني الثمار السياسية.

وسرعان ما سارعت كل القوى والتنظيمات القادرة على وضع يدها على جزء من الأرض التي حررت، وأقامت لها مواقع دونما أي اعتبار إلى رؤية سياسية وتنموية تقدم هذا الجزء من فلسطين كنموذج حضاري وديمقراطي وتنموي يصلح لتحرير بقية الأرض الفلسطينية. وبدلاً من أن يتحول قطاع غزة إلى نموذج سياسي يرقى بمستوى النضال والعقلية الفلسطينية المبدعة والمنتجة والمستثمرة، تحول إلى ثكنة عسكرية، وأنفقت الأموال على الأسلحة بهدف التسلح، وكان السؤال لمصلحة من ولأية أهداف، هذا بدلاً من أن يتحول هذا الجزء الصغير الجميل من فلسطين إلى بؤرة جذب للاستثمارات الفلسطينية وما أكثرها والتي أبدت استعداداً حقيقياً للمساهمة في عملية البناء والتي كانت كفيلة، بوضع أسس اقتصاد مستقل إلى حد ما، ويستوعب قطاعات عريضة من القوة العاملة الفلسطينية، وهنا تذكرت نموذج كان التي لا تزيد مساحتها على خمسة كيلو مترات مربعة ودخل الفرد فيها من أعلى الدخول في العالم، ولا تملك إلا موقعاً بحرياً ليس أجمل مما وهبه الله لغزة. صحيح ليس لدينا موارد طبيعية كثيرة، لكن تتوفر عناصر استثمارية كثيرة أهمها: العقل الفلسطيني، ورأس المال، والبيئة الساحلية الغنية بجمالها، والمناخ الذي لا يتوفر حتى في كان نفسها، والسؤال ثانية: أين رأس المال هذا؟ لقد نزح وذهب بعيداً إلى أرض أخرى يستثمر ويعمر. وأين العقل الفلسطيني المبدع؟ لقد ذهب بعضه، والباقي ينتظر، لأن فرص العمل أعدمت وأغلق أكثر من ثلاثة آلاف مصنع كانت تستوعب أكثر من مائة ألف عامل، وانتشرت طوابير البطالة، وارتفعت نسبة الفقر لأسباب كثيرة ومنها على الخصوص الحصار المفروض على القطاع، لكن هذا لا ينفي مسؤوليتنا المباشرة في الفشل في بناء المؤسسات السياسية الديمقراطية الحقيقية، والقاعدة الاقتصادية القادرة على توفير قدر من الاستقلالية والتحرر الاقتصادي من الاقتصاد الإسرائيلي، فالتحرر السياسي لا يكتمل إلا بالتحرر الاقتصادي.

ليس الهدف إبراز صورة قاتمة لم آلت إليه الأمور في غزة، بل هو مجرد تشخيص لواقع ساهمنا نحن كقوى فلسطينية فيه نتيجة عدم توافقنا ووضع الخطط والأولويات التنموية لكل شبر يتم تحريره. ومن هنا كان لزاما علينا وبمجرد أن انسحبت إسرائيل أن نعيد تقييم كل وسائل المقاومة المتاحة وما الذي يناسب قطاع غزة بشرط ألا نعيد الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر نقيضاً لعملية البناء والتطور، ولا لأن إسرائيل لا تريد أن ترى الفلسطينيين ينجحون في عملية البناء الديمقراطي والتنموي، إنما تريدنا دائماً متصارعين متقاتلين وبين قوسين إرهابيين.

وفي هذا السياق لن يكون هناك تعارض بين المقاومة والمفاوضات إذا وظف كل منهما لمصلحة الآخر، لكن يبقى السؤال أي مقاومة تناسب غزة؟ وأي مقاومة تقود إلى تحرير باقي الأرض الفلسطينية؟ وهذا ما لم تستطع غزة تقديمه، ومن دون أن نجعل غزة نموذجاً للتحرر السياسي والبناء الديمقراطي والحضاري سيتأخر تحرير الضفة الغربية وسيتأخر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والكاملة السيادة على أرضها.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"