هل ينجح أوباما في فرض السلام؟

04:57 صباحا
قراءة 3 دقائق

حين دعا الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش الأب لمؤتمر مدريد رفع شعار الأرض مقابل السلام، أي الانسحاب لحدود الرابع من يونيو/حزيران 1967. وقد حملت الاستجابة العربية للدعوة قبولاً ضمنياً بالكيان الصهيوني ضمن تلك الحدود. وعلى مدى السنوات التالية تدحرج الشعار ليغدو وقف الاستيطان مقابل التطبيع. بحيث إن ما تسمى عملية السلام لم تستهدف تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و338 وإنما استدرار التنازلات العربية، وتوفير فرصة فرض حقائق استيطانية صهيونية، وكان طبيعياً، والأمر كذلك، تقطيع الوقت بالمفاوضات اللامجدية.

وحين يرفض نتنياهو وقفاً مؤقتاً للاستيطان مقابل تطبيع سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية، فهو لا يجهل بأنه يفرط بعرض ثمين لقاء التزام زهيد. ولكنه إنما يعبر عن استراتيجية عدم الاستعداد للتنازل عن أي من الأهداف والمبادئ الصهيونية. فضلا عن دلالة ذلك القاطعة بأن الصهاينة لا يريدون سلاماً، وإنما يطلبون تسليماً كاملاً بما يفرضونه، مستقوين بدعم صناع القرار على جانبي الأطلسي، حيث تعتبر إسرائيل رصيداً استراتيجياً.

ولقد تواترت التسريبات حول توجه الرئيس أوباما لإطلاق مبادرة فرض السلام على إسرائيل والفلسطينيين، والتي لن تخرج عما يفرضه الالتزام بالتحالف الاستراتيجي الأمريكي مع إسرائيل.

والثابت تاريخياً أن فرض التسوية على المحتلة أرضهم والمغتصبة حقوقهم لا يقيم سلاماً، وإنما يطيل أمد الصراع. وفي ضوء معطيات الواقع يمكن القول باستحالة تمرير مبادرة لا تستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية في حدها الأدنى، بالانسحاب الكامل من الأرض المحتلة سنة ،1967 وإقامة الدولة المستقلة وغير منقوصة السيادة وعاصمتها القدس، وتنفيذ حق العودة وفقاً للقرار ،194 وفك الحصار عن قطاع غزة وإعادة إعماره.

وإن قيل بأن الرئيس الأمريكي إنما ينطق بلسان الرباعية الدولية، والظرف موات لإنجاح سعيه لحل الصراع العربي الصهيوني، باعتبار ذلك ليس فقط مصلحة أمريكية، كما يقول، وإنما أيضا مصلحة أطراف الصراع المأزومين جميعاً. فالنظام العربي لما يزل أسير مبادرته غير المستجاب لها، والمتحكمون بقرار منظمة التحرير الفلسطينية لم يسقطوا الالتزام بنهج أوسلو، حرصاً على ما يحققه لهم من مكاسب مادية ونفوذ سياسي برغم كارثية هذا الالتزام على الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية. فيما إسرائيل تعاني مأزق افتقادها قوة ردعها وسقوط أساطير تفوقها، وافتضاح طبيعتها العنصرية التي عراها تقرير غولدستون. بل ويذهب بعضهم إلى أنه حتى حماس تعاني مأزق أعباء حصار مليون ونصف مليون منحوها ثقتهم، ولم يخذلوها تحت لهيب المحرقة الصهيونية.

في كل تجارب الاستعمار الاستيطاني العنصري السابقة للمشروع الصهيوني لم تجر تسوية الصراع الذي فرضه الغزاة على أصحاب الأرض الشرعيين بالتنازلات، حتى وإن كانت متبادلة. ودائماً كان الصراع مباراة صفرية، الظفر فيها للأقدر على إدارة الصراع وتحمل أعباء زمنه الممتد. وشعب فلسطين متميز كيفياً عما كانت عليه حال الهنود الحمر غداة مجابهتهم بالغزاة الأوروبيين. إذ هو ينتسب لأمة عريقة التاريخ، غنية الموروث الحضاري، معروفة بقدرتها الفذة على دحر الغزاة وتطهير ثراها المقدس من دنسهم. وعندما تعقد المقارنة بين الشعب الفلسطيني والتجمع الاستيطاني الصهيوني، يذهب أكثر من مفكر استراتيجي صهيوني إلى أن الميزة العظيمة للعرب قدرتهم الكبرى على تحمل الحروب وامتصاص الخسائر. وهذا ما تؤكد مصداقيته وقفة مع تاريخ الصراع.

فمنذ الخمس الآخير للقرن التاسع عشر توالت الصدامات بين المواطنين العرب والمستعمرين الصهاينة. وعلى مدى العقود التالية تضافرت جهود التحالف الإمبريالي الصهيوني، ومؤيديه دولياً ومواليه عربياً، في فرض الضغوط السياسية والاقتصادية على شعب فلسطين، وإشاعة الفرقة في صفوفه، وتحفيز النوازع الذاتية عند نخبه، وتعميم دواعي اليأس والإحباط لدى جماهيره. وبرغم ذلك مضى صمود قوى الممانعة والمقاومة في خط صاعد في الأرض المحتلة من النهر الى البحر، كما في الشتات العربي والدولي.

لقد تجلت أسمى آيات الصمود في قطاع غزة في مواجهة المحرقة الصهيونية. ورغم اشتداد المعاناة تحت الحصار لم تلن صلابة مواطني القطاع، ولا هم خذلوا سلطته. كما أن غضبة مواطني الضفة ضد تأجيل مناقشة تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان دلالة العجز عن استلاب إرادتهم في رفضهم نهج أوسلو البائس.

ولما كان السلام غير متوفرة أسبابه، وإرادة الممانعة والمقاومة في صعود طردي، فالمؤكد أن يفشل أوباما في تصفية الصراع، وكل ما يستطيعه إنعاش عملية السلام لعل ذلك يسهم في انتشال إسرائيل وعرب التسوية من مآزقهم المؤكد تفاقمها، وقد دخل زمن التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية والتخاذل العربي خريف تساقط الأوراق.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"