لم يعد هناك معسكران كي تقرر الدول النامية أن تنحاز إلى أحدهما، وأن تختار موقعاً وسطاً بينهما، أو أن تمارس ما دعاه قادتها يوم أسسوها الحياد الإيجابي، تمييزاً له عن الحياد السلبي الذي كان يعني الانعزال عن التأثير أو الفعل في السياسة الدولية.

هناك اليوم معسكر واحد لا غير، قوته الأساسية هي الولايات المتحدة الأمريكية القادرة حتى الآن على الأقل، على احتواء التناقضات بينها وبين حلفائها من الدول الغربية.

ويسوق النظام العالمي الجديد لفلسفة واحدة على صعيد التنمية الاقتصادية ويسعى لفرضها نموذجاً واحداً على كل دول العالم، مستخدماً في ذلك أدوات ضغط مختلفة ليس أقلها أهمية المؤسسات المالية الدولية الخاضعة لنفوذه.

ورغم أن حركة عدم الانحياز لو أخذنا أعضاءها كحالات منفردة لم تكن منحازة بالمعنى الدقيق للكلمة، وأنها جمعت في عضويتها دولاً كان يمكن أن تصنف ضمن حسابات سياسية وأيديولوجية أخرى عضوة في تحالف أحد معسكري الحرب الباردة، وأن الكثير من هذه الدول كانت متورطة في تقديم التسهيلات العسكرية والسياسية لهذا القطب الدولي أو ذاك في صراعه مع القطب الآخر.

إلا أن هذه الحركة من حيث هي تجمع لغالبية دول العالم الباحثة عن دور لها وعن طريق يأخذ بها نحو التقدم شكلت قوة لم يكن بالإمكان تجاهل دورها، لأن قطبي النزاع الدوليين في فترة الحرب الباردة كانا، كل من موقعه وانطلاقاً من حساباته معنياً، بكسب ودها.

وكان وجود هذين القطبين يتيح من الجهة الأخرى لأعضاء هذه الحركة هامشاً يعتد به للمناورة والضغط وأحياناً الابتزاز بحثاً عن شروط تحالف أو شراكة أفضل.

عدد الدول التي اجتمعت للمرة الأولى في باندونغ، حيث أعلن عن تأسيس الحركة، لم يكن أكثر من تسعة وعشرين دولة، فيما يفوق عدد الدول التي ما زالت تصر على وصف نفسها بأنها غير منحازة أكثر من مائة وعشرين دولة، ولكنها محاصرة بحقيقة أن العالم بات يدار من مركز واحد لفترة قد تطول أو تقصر، وعدم الانحياز في هذه الحالة يعني التمرد أو الخروج على مركزية القرار الدولي الذي بات محكوماً بآلية اقتصادية وأيديولوجية ومعلوماتية معقدة.

لكن هناك ما تنحاز إليه الحركة وهو مصالح شعوبها في التنمية المستقلة وفي نشدان نظام عالمي جديد أكثر عدالة وإنصافاً لدول الجنوب.

[email protected]