لم تأتِ جولة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الآسيوية من فراغ، ولكنها جاءت لتعبّر عن إدراك أمريكي مزدوج لحقيقتين مهمتين، الأولى أن حل أزمة الاقتصاد الأمريكي، التي كانت واحدة من أهم عوامل الفشل الانتخابي للحزب الديمقراطي الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحكام الولايات التي جرت هذا الشهر، لن يأتي من الداخل الأمريكي وحده، أي لن تحل أمريكياً من خلال سياسات اقتصادية وقوانين وإجراءات داخلية، ولكنها تأتي أيضاً من الخارج، أي من خلال تنظيم العلاقات الاقتصادية الأمريكية مع الخارج، وبتجديد أكثر مع القوى الاقتصادية العالمية، وهنا تفرض الصين نفسها كقوة مهمة تهدد الاستقرار الاقتصادي الأمريكي بسبب إصرار الحكومة الصينية على عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية بتعديل سعر صرف اليوان الصيني الذي تعتقد واشنطن أن سعره أقل من قيمته الحقيقية ما ينعكس سلباً على الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين . ومن هنا جاء التوجه الأمريكي الجديد الساعي لإيجاد حلول لمثل هذا النوع من المشكلات والتحديات .

أما الحقيقة الثانية فهي أن العالم قد شهد خلال السنوات الماضية انقلاباً في موازين القوى الاقتصادية، إذ تراجعت قدرة ومكانة بعض القوى الاقتصادية لصالح قوى جديدة بازغة ويمكن الحديث الآن عن خمس قوى اقتصادية عالمية كبرى هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان والهند، ما يعني أن القارة الآسيوية وحسب قول الرئيس الأمريكي باراك أوباما تعد موطناً لثلاثة من كبرى الاقتصادات الخمسة في العالم وهي تنمو بشكل متسارع مع توسع الطبقة الوسطى وارتفاع مداخيلها، وهذا ما دفعه إلى الإفصاح عن أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تسمح لنفسها بأن تستبعد من هذه الأسواق الآسيوية .

بدأ أوباما جولته بزيارة الهند، وهناك كان يسعى إلى تحقيق هدفين، أولهما له علاقة مباشرة بهدف جولته الآسيوية أي الهدف الاقتصادي البحت، وثانيهما استراتيجي يرمي إلى عقد شراكة استراتيجية مع الهند لموازنة المنافس الصيني أو المنافس المشترك للبلدين في محاولة لاستغلال حالة العداء التقليدي الصيني الهندي لخدمة المواجهة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، ولذلك كان أوباما مسرفاً في عطاءاته للهند . كان يفعل ذلك وعيناه مركزتان على الصين سواء وهو يصف الهند بأنها قوة عالمية وليست مجرد قوة إقليمية، أو وهو يعلن تأييده لتطلع الهند لتصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ومؤكداً أن الهند شريك لا يمكن التخلي عنه للولايات المتحدة .

وإذا كان التعاون الأمريكي الهندي قد امتد ليشمل مجالات متعددة من أمن الموانئ والمطارات والحدود إلى الطاقة النظيفة والصحة والزراعة والفضاء الجوي، إضافة إلى القضايا النووية والدفاعية فإن التعاون الاقتصادي وبالذات ما يتعلق بقضية العملة الصينية كان حاضراً، لكن ما هو أهم أن باكستان هي الأخرى كانت حاضرة ومعها كل التركة والهم الأفغاني ما وضع واشنطن أمام مأزق شديد الحرج في إدارة الصراعات بين الحلفاء والشركاء .

فالمسعى الأمريكي لدعم الهند باعتبارها قوة موازنة ومعادلة للصين تحول إلى نقطة ضعف في علاقة واشنطن بإسلام آباد، حيث ترى باكستان أن تصعيد الشراكة الأمريكية الهندية سيأتي حتماً على حساب المصالح العليا الباكستانية، وهنا يلعب الصراع الهندي الباكستاني دوره التاريخي وبالذات ما يتعلق بأزمة إقليم كشمير المتنازع عليه، ويمتد الأمر إلى ضغوط هائلة على صانع القرار الباكستاني ليراجع أجندة تحالفاته مع واشنطن وخاصة ما يتعلق بالتورط الباكستاني في الحرب ضد حركة طالبان بضغوط أمريكية نالت كثيراً من شرعية الحكم في باكستان بسبب التجاوزات غير المحدودة للطيران الأمريكي والأطلسي ضد المدنيين في غرب باكستان في منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية .

إدراك باكستان أنها هي من سيدفع أثمان الشراكة الأمريكية الهندية الجديدة تفاقم في ظل استثناء الرئيس الأمريكي باراك أوباما لباكستان من جولته الآسيوية الحالية، ودخول الهند إلى مجلس الأمن تراه باكستان خطوة من شأنها إحداث انقلاب في موازين القوى الإقليمية لغير صالحها ما سيفرض عليها حتماً ضرورة القيام بمراجعات لموازنة هذه التطورات، مراجعات قد لا تقل أهمية عن مراجعاتها يوم أعلنت الهند عن أول تفجير نووي، يومها كانت وقفة الزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو الشهيرة التي قال فيها سنأكل العشب حتى نصنع القنبلة، وكان لباكستان ما أرادت، واليوم يتجدد التحدي .

السؤال المهم هو: أين سيكون هذا التحدي، هل بتحالف باكستاني صيني استراتيجي، أم بوقف التعاون مع أمريكا في أفغانستان وترك الأمريكيين يغرقون في مستنقعات أفغانستان مع حلفائهم الأطلسيين .

سؤال مهم تزداد أهميته على ضوء إدراك السيناتور الأمريكي جون ماكيني من أن الخشية من انسحاب أمريكا من أفغانستان أحدثت توتراً في العلاقات الهندية الأمريكية، وعززت استراتيجية الجيش الباكستاني في دعم المجموعات الإرهابية في الإقليم فقد أعلن ماكين أمام معهد كارينجي للسلام قبل جولته التي زار فيها باكستان والعراق وأفغانستان أن أفغانستان أصبحت مصدراً رئيساً للتوتر بين الهند وأمريكا لسبب أساسي هو أن الهند لا تؤمن بأن الولايات المتحدة ستبقى في أفغانستان حتى إنجاز المهمة . هذا يعني أن التوتر المحتمل في العلاقات الباكستانية الأمريكية يمكن أن ينعكس على التعاون المتصاعد بين الهند وأمريكا، وفي هذا كله ستبقى الصين صامدة ضمن واحدة من تحديات القدر التي تواجه الأمريكيين لتضاعف من مأزق واشنطن في إدارة الصراعات بين حلفائها .