تجد الذاكرة الإماراتية في «قرية الجزيرة الحمراء القديمة» في رأس الخيمة حضوراً طاغياً ولافتاً لماضيها وتراثها الأصيل، حيَّاً متجسداً في نموذج نادر في ربوع الدولة، يقاوم الاندثار والنسيان، لتكون القرية الإماراتية التراثية والتاريخية الوحيدة، أو تكاد، المتكاملة، التي لاتزال تحتفظ بمعالمها الرئيسية ومرافقها المتنوعة وأحيائها و«فرجانها» ودروبها العتيقة و«سكيكها»، هي هي، كما كانت في الماضي الجميل.
ما زالت الجزيرة الحمراء تحتفظ بزمن «الشواب»، من الآباء والأجداد، محتفظة بين ثناياها أيضاً بحكاياتهم، ووجوه حياتهم اليومية، وقسمات وجوههم الطيبة، التي لوحتها الشمس الحارقة صيفاً، وحفر فيها الجلد والصبر أخاديد وتجاعيد عدَّة، فيما تلوح ملامح من معاناتهم وسط شظف العيش وقسوة الحياة هنا سابقاً على الجدران القديمة.
«الجزيرة الحمراء القديمة»، التي تقدر مساحتها بنحو 677 ألفاً و766 متراً مربعاً، قرية تراثية متكاملة فريدة من نوعها في الإمارات اليوم، وقفت في وجه عوامل التعرية وتقادم الزمن والإهمال والهجرة والنسيان لعقود طويلة، مع مقاومتها لزحف المدنية المعاصرة، وتمدد «غابات الأسمنت» الحديث، لتبقى وفية لدورها ورسالتها، التي تعكس صورة نقية ومتكاملة للتراث الوطني الإماراتي الأصيل، حضارياً وعمرانياً واجتماعياً واقتصادياً، لتعيد إحياء تراث وقيم وتقاليد أبناء الإمارات عبر الزمن.
وتقع القرية التراثية، التي صنفتها دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة في وقت سابق كأقدم منطقة متكاملة في الإمارة، بمحاذاة ساحل الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة، على مقربة من مياه الخليج العربي الخلابة، التي تختزل ذاكرة المنطقة، ورأس الخيمة إجمالاً.
روح الماضي، وأصالة التراث الوطني والشعبي، حاضرتان في «الجزيرة الحمراء القديمة»، التي تخضع حالياً لمشروع شامل لترميمها وصيانتها وتطويرها، وهي تعكس بؤراً حيوية من الذاكرة التاريخية الإماراتية، تتمثل في القيمة التراثية العمرانية لمبانيها ومرافقها ودروبها وكل تفاصيل وصور الحياة فيها، بما تضم من نماذج للتراث العمراني الإماراتي.
وتعد الجزيرة الحمراء القديمة منطقة فريدة من نوعها على مستوى الدولة، باعتبارها قرية تراثية تاريخية متكاملة، تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية، وتعتبر شاهداً على أصالة التاريخ الإماراتي، وجذور آبائنا وامتداد ثقافتنا في هذه الأرض، وتلقي الضوء على مظاهر العمران وصور الحياة الشعبية في الدولة قديماً.
عادت دورة الحياة ورونقها إلى «الجزيرة الحمراء القديمة» في العام 2012م، على أيدي مجموعة من أبناء منطقة الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة، مبادرين متطوعين إلى تنظيفها وإزالة أكوام النفايات والمخلفات المتراكمة على مدى 4 عقود، منذ هجرها سكانها الأصليون من المواطنين، وقدرت كمية المخلفات والنفايات بحمولة نحو 700 شاحنة، وأصحاب المبادرة هم 4 من الشباب المواطنين من أبناء منطقة الجزيرة الحمراء، أطلقوا في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2011 مشروع إحياء قرية الجزيرة الحمراء القديمة، عبر تنظيفها وصيانتها والاعتناء بها، بهدف حمايتها من الاندثار والوقوف في وجه تدهور أوضاعها الإنشائية، وتحويلها إلى مزار شعبي ووجهة سياحية ومقصد علمي، وموقع للدراسات التراثية والتاريخية والاجتماعية والعمرانية التقليدية، والاستفادة منها كموقع لاحتضان الاحتفالات والمناسبات الوطنية والاجتماعية والتراثية، وتصوير الأعمال الفنية، والسينمائية والتلفزيونية والغنائية وسواها، ليتحول المشروع التطوعي الشبابي إلى مبادرة شعبية عامة، بعد مشاركة بقية أبناء الجزيرة الحمراء ومناطق رأس الخيمة الأخرى في المشروع التراثي الاجتماعي والحضاري، بالعمل والجهد أو بالتبرع مادياً.
تضم الجزيرة الحمراء القديمة، التي تقطنها قبيلة «الزعاب» في رأس الخيمة، نحو 433 مبنى تراثياً، بينها 300 مسكن قديم ترجع ملكيتها إلى المواطنين من أبناء المنطقة، و11 مسجداً قديماً، ومدرستان قديمتان شيدتا في خمسينات القرن الماضي، حسب الأهالي، و«مركز شرطة» و«عيادة»، شيدا في بداية مسيرة الاتحاد، ونحو 18 محلاً تجارياً على هيئة الدكاكين القديمة، ومقهى تراثي، إلى جانب الفرجان التقليدية، وهي الأحياء السكنية باللهجة الإماراتية المحكية، مع مجموعة من الأشجار والنباتات المحلية، ومرافق أخرى فرضتها طبيعة الحياة في الإمارات قبل ظهور النفط وتأسيس دولة الاتحاد.
وقرية الجزيرة الحمراء القديمة، الواقعة في مدخل إمارة رأس الخيمة، للقادمين من إمارات أم القيوين وعجمان والشارقة ودبي، عبر شارع الاتحاد، تحتضن عدداً من الحصون والمباني التراثية المتنوعة كشواهد تاريخية نابضة، في مؤشر حي على عراقة الماضي، ضارب الجذور في الزمن، والبعد الاجتماعي الثقافي للتراث الوطني الإماراتي، وهو يحفل بتاريخ الآباء وسيرة الأجداد، الذين قضوا في ربوعها زمناً طويلاً، في مواجهة قسوة العيش وظروف الحياة الصعبة، ممارسين الصيد والغوص في البحر، مصدراً لرزقهم وقوت عيالهم، مخلفين وراءهم قصة حافلة تحكي عزم أبناء الإمارات وعشقهم لهذه الأرض، وسعيهم المتواصل عبر الزمن للصعود بوطنهم إلى مصاف الدول المتحضرة.
وتضم القرية القديمة حالياً مقهى تراثيّاً يحمل روح التراث الإماراتي، وتحتوي على مبان تراثية أصيلة، ومرافق قديمة منسجمة ومختلفة، تقدم صورة حميمية لصور وأنماط الحياة في الماضي، في حين عملت المبادرة الشبابية الشعبية الوطنية على المحافظة على روح المساكن القديمة ومكونات المباني التراثية، كالحجارة المتساقطة منها، وإيداعها داخل المنازل، حماية لها.
وتحتضن القرية التراثية مجسمات لآبار قديمة، «الطوي»، حسبما يطلق على مفردها في اللهجة المحلية، وأشجار نخيل وسواها من الأشجار، وساحات، وفرجاناً متعددة، وسكيكاً داخلها، وهي الدروب الصغيرة والضيقة، والمحال القديمة الدكاكين، التي عادت «الدعون» لتظللها، أي المظلات القديمة المصنوعة من خوص النخيل، والجندل، صنف من الأعمدة المصنعة من خشب إفريقي، والجذوع وهي أعمدة من جذوع النخيل، ومنامة تراثية قديمة، عبارة عن جلسة خارج المنازل أو استراحة شعبية، مرتفعة نسبياً عن الأرض ومكشوفة على الهواء الطلق، أنشأها الأهالي ضمن مشروع إحياء المنطقة القديمة.
ويبرز في القرية قارب تجديف تراثي، مصنوع من الخشب، وسيارة دفع رباعي «جيب»، من طراز قديم في إحدى ساحاتها الرملية، والتي كان بعض الأهالي يستخدمونها في تنقلهم مع بداية ظهور النفط وانبثاق عهد الاتحاد، ودوار خاص لعلم الدولة، ونموذج لمدرسة قديمة وبسيطة في العراء، تضم مقاعد وكراسي و«سبورة»، أحضرها الأهالي ووزعوها في أنحاء القرية، لإضفاء طابع تراثي شعبي متكامل عليها.