كان مشهوداً لها بالجمال بين فتيات القرية، وذات يوم فوجئ الأب بشاب يبلغ الثلاثين من عمره يطرق باب منزله، طالباً منه الارتباط بابنته، ووقتها شعر الأب بسعادة غامرة، لكنه في الوقت نفسه رفض طلب الشاب، لرغبته في تزويج ابنته من أحد شباب العائلة كما هي التقاليد، فانتابت الشاب مشاعر الحزن بعد رفض والد الفتاة طلبه، خاصة وأنه أحبها بعد أن رآها مصادفة مع صديقاتها وعلم بأنها على خلق رفيع، وخرج من المنزل مهموماً غير مصدق أنه قوبل بالرفض.
مرت الأيام وتقدم إلى خطبة الفتاة ابن عمها «خالد» الحاصل على ليسانس آداب فوافق والدها على الفور، بعد أن أخذ رأي ابنته وتم تحديد موعد الزفاف بعد عدة شهور، وفي يوم الزفاف اكتظ منزل العروس بالأهل والأقارب والمهنئين، وبعدها توجه الزوج مع عروسه إلى عش الزوجية، في سعادة غامرة وفرحة لم يشعرا بها من قبل، وفي صباح اليوم التالي حضر أهل العروس للاطمئنان على ابنتهم، ولاحظت الأم علامات غريبة تملأ وجه الزوج فسألت ابنتها عن ليلة الدخلة فأخبرتها بالسلب، فتسرب القلق إلى قلب الأم وعقب انصراف الأهل من المنزل سأل الزوج زوجته عن الحديث الذي دار بينها وبين أمها فأجابته بأنها أبلغتها بالحقيقة، ووجد الزوج نفسه عاجزاً باستمرار رغم أنه كان طبيعياً طوال عمره، طلب من عروسه عدم إبلاغ أي شخص بهذا الأمر خوفاً من الفضيحة فكان ردها الغريب، أنها أيضاً لا تشعر بأي رغبة تجاهه رغم حبها له، وتحول أمر الزوجين إلى لغز كبير وحقيقة مؤلمة يعيشانها داخل منزلهما واتفقا على عدم البوح بالسر لأي شخص مهما طال الزمن.
بدأت الزوجة توهم أمها بأنها تعيش أسعد لحظات حياتها مع ابن عمها، وفي الوقت نفسه رفض «خالد» استشارة طبيب متخصص خشية الفضيحة، وظلا على هذه الحال 10 سنوات والزوجة عذراء، وخلال هذه الفترة بدأت تساؤلات الأهل والأقارب من الأسرتين عن سبب عدم الإنجاب وكل مرة يتهربان من الإجابة حتى وصل الأمر إلى أن الأسرتين أصرتا على الطلاق، أو العرض على طبيب متخصص لمعرفة سبب عدم الإنجاب الذي طال كثيراً، واستمرت تساؤلات الأهل تطارد الزوجين فتحولت حياتهما إلى جحيم حتى جاء يوم اكتشاف الحقيقة.
استيقظ «خالد» من نومه مبكراً كعادته وتناول طعام الإفطار وتوجه إلى الحقل وجلس بمفرده شبه غائب عن الدنيا وما فيها وهو يتذكر الحديث الذي دار بينه وبين والده ليلة أمس عندما طالبه ربما للمرة الألف بتطليق زوجته والزواج من أخرى حتى تنجب له الولد الذي يتمناه أي شخص، مؤكداً أنه يريد أن يرى أحفاده.
لم يشعر«خالد» باقتراب صديقه الحميم «سعيد» إلاّ عندما جلس بجواره و بلا مقدمات فاجأه بأنه يعرف سبب همومه وعدم إنجابه رغم هذه الفترة الطويلة من الزواج، فأصيب «خالد» بحيرة شديدة من حديث صديقه وطلب منه أن يوضح كلامه فرد عليه بأن ضميره كان يعذبه طوال الفترة الماضية وأن هناك سراً خطيراً يخفيه وطلب منه أن يسامحه عندما يعلم السر الخطير الذي يخفيه، واستطرد «سعيد» في حديثه قائلاً: إن حل مشكلته في يده ثم أخرج لفافة ورقية من طيات ملابسه وأخبره بأنه قبل 10 سنوات تقدم إلى عمه يطلب منه خطبة ابنته، لكن والدها في ذلك الوقت رفضه بلا أي أسباب مفهومة، وعندما علم بزواجها فكّر في الانتقام منه بأن يقتله، لكنه تراجع عن هذه الفكرة، حتى هداه تفكيره إلى التوجه إلى مشعوذ مشهور وعرض عليه مأساته ورغبته في الانتقام من الفتاة وزوجها فأعطاه المشعوذ «حجاباً» وأبلغه أنه ما دام يحتفظ بهذا الحجاب فستظل الزوجة عذراء إلى الأبد، وبهذه الطريقة سوف يتم الطلاق وعقب حدوث الانفصال عليه العودة إلى المشعوذ مرة أخرى ليكتب له حجاباً آخر فيه «المحبة والقبول» وموافقة الأسرة على زواجه منها،لكن السنوات مرت ولم يحدث الطلاق ولم يحدث إنجاب لذلك قرر إفشاء السر.
وأخرج «سعيد» علبة كبريت من جيبه وأشعل عود ثقاب وأحرق الحجاب، مؤكداً أنه بمجرد حرقه، سوف يبطل مفعول السحر.
سقطت كلمات «سعيد» كالمطرقة على رأس «خالد» ولم ينطق بكلمة واحدة وأسرع إلى منزله والتقى زوجته لقاء حميماً لأول مرة، بعد 10 سنوات من العذاب والألم، وكان لقاء انتظره الزوجان طويلاً، وفي المساء وبعد أن زال مفعول السحر عاد «خالد» إلى صديقه وعذاب السنوات العشر يسري كالنار المتأججة في قلبه وفكره ولم يتمالك نفسه وهو يخرج المسدس الذي أحضره معه وأطلق عليه عدة رصاصات فسقط على الأرض غارقاً في دمائه.
تلقت الشرطة بلاغاً بالحادث، وتم القبض على المتهم الذي ظل صامتاً شارد الذهن، رافضاً تفسير الموقف حتى كشفت تحريات المباحث سر الجريمة والدافع وراءها، وبمواجهته بالتحريات اعترف بأنه لم يتمالك نفسه وهو يطلق عليه الرصاص بسبب الكابوس الذي عاش فيه خلال السنوات العشر التي قضاها هو وزوجته في حرمان من الإنجاب.
أمرت النيابة بحبس«خالد»على ذمة التحقيق بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار.
«حجاب» الدجال
2 ديسمبر 2016 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 ديسمبر 00:03 2016
شارك
في إحدى القرى الصغيرة خرجت الفتاة الجميلة إلى الدنيا لتجد نفسها وسط أسرة متواضعة الحال، لكنها متدينة ومشهورة بالالتزام بالمبادئ والأخلاق الحميدة، وقد اهتم والداها بتربيتها لتكون أفضل بنات القرية، وتفوقت في التعليم حتى تمكنت من الحصول على مجموع مرتفع في الثانوية العامة والتحقت بكلية التجارة وتفوقت في دراستها وكانت سعادة الأهل بها كبيرة لحصولها على شهادة البكالوريوس، فهي أول فتاة في العائلة بل في القرية كلها تحصل على الشهادة الجامعية. حاولت الفتاة البحث عن فرصة عمل لتحقيق طموحاتها، لكن بلا جدوى، فكان مصيرها البقاء في المنزل تقضي أوقاتها بين القراءة والكتابة في شتى المجالات ومشاهدة التلفزيون وقليلاً ما تخرج من منزلها لزيارة صديقاتها وأقاربها.