«سمرقند» جغرافيا وتاريخ، مملوءان بالإغراء السردي إلى الحد الذي يوقع الكتاب العالميين في سحره، مدينة الصراعات السياسية والشعر والتصوف والغزل، وثمة روائيون حكوا عن الموقع التاريخي، أشهرهم: هارولد لامب في «السيف المعقوف»، وفلاديمر بارتول في «قلعة الموت» واللبناني أمين معلوف في «سمرقند».
تتشارك الروايات السابق ذكرها في الحديث عن الفترة التاريخية التي شهدت حياة الشاعر الأشهر عمر الخيام، وتستدعي النصوص صديق الخيام ومؤسس فرقة الحشاشين - طائفة الاغتيالات السياسية الأشهر في التاريخ - حسن الصباح و«نظام الملك» رئيس وزراء الملك ملشكاه، ومثلما تعرج الذوات الساردة على «قلعة آلموت» شمال غرب إيران حاليًا، تظل «سمرقند» مركز الأحداث والمدينة الأبرز في الروايات الثلاث؛ بخاصة في نصّ معلوف الذي كتبه بالفرنسية عام 1988، وترجمه عفيف دمشقية إلى اللغة العربية.
في «سمرقند» ينتصر معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية والحائز على جائزة غونكور، لقيمة الحب المقترنة لديه بالمعرفة والكتابة، مُديناً أشكال العنف السياسي كافة، ومسائلاً الغرب، في صورته الاستعمارية تحديداً، عن الدور الذي لعبه لعرقلة مسيرات الديمقراطية الوليدة في الشرق بداية القرن العشرين، باحثاً عن نقطة يلتقي فيها الشرقيون والغربيون، عن منطقة دافئة تظللهم بالحب، مثلما حدث بين «بنجامين عمر لوساج» و«شيرين».
تنقسم الرواية شكليًا إلى أربعة أقسام، أو بالأحرى كتب، حدّ تسمية المؤلف ذاته، وهي: شعراء وعشاق، فردوس الحشاشين، نهاية الأعوام الألف، وشاعر تائه، في ما تنقسم زمنيًا إلى إطارين رئيسيين، الأول زمن «نظام الملك» ومعاصره حسن الصباح والشاعر عمر الخيام في عصر دولة السلاجقة، بداية القرن الثاني عشر وحتى الثالث عشر الميلاديين، وهذا ما يشغل الكتابين الأوليين من الرواية، أمّا الإطار الزمني الآخر، فيشمل الكتابين الثالث والرابع، نهاية القرن التاسع عشر وحتى غرق السفينة «تيتانيك» 1912.
يحكي النصّ، في كتابيه الأول والثاني، قصة لقاء نظام الملك وحسن الصباح وعمر الخيام، ولقاء الأخير بمحبوبته جيهان، شاعرة من بلاط الحاشية، تنتمي إلى بخارى، وهي مثل «العالم الواسع، أرملة شابة مشبوبة بالعواطف والصبابات» وقصة زواجهما وقرارهما بعدم الإنجاب، رغم رغد العيش، إلى أن تموت «جيهان» ذبيحة بسبب الصراعات السياسية بعد صعود نجم الخيام.
وتتناول الرواية المحكية على لسان «بنجامين.ع» العلاقات المعقدة لزعيم الحشاشين حسن الصباح وصراعاته السياسية، هنا يمنحنا معلوف تفسيرًا آخر لسبب تسمية أتباع الصباح بالحشاشين، فبجانب تعاطي مخدر الحشيش، قد يكون أصلها الكلمة الإسبانية Asesinos، أي القتلة المغتالون، وهم أصحاب العقيدة الأساسية المتينة التي تدفعهم إلى الموت، وقتل الآخرين من دون تراجع أو تردد.
وتتناول الرواية في كتابيها الثالث والرابع، قصة الأمريكي «بنجامين.ع» والذي أطلق عليه والده هذا الاسم حباً في الشاعر القديم عمر الخيام. يسافر بنجامين بحثاً عن مخطوط رباعيات الخيام، ويلتقي بالأميرة «شيرين» ويقعان في الغرام، ليقررا السفر إلى نيويورك بصحبة مخطوط سمرقند على متن السفينة الأشهر «تيتانيك» التي تغرق في إبريل/نيسان 1912.
وسط هذه الصراعات يمثل مخطوط رباعيات عمر الخيام محورًا مهمًا، بدءًا من منح القاضي «أبوالطاهر» كتاباً للخيام ليسطر فيه رباعياته، ثم سيطرة الملك المتسلط «نصر خان» عليه، مروراً برحلة التنقل من شخص لآخر في بلاد فارس، وهو بالنسبة لبنجامين كما بالنسبة لشيرين «أكثر من جوهرة، وأنفس من تحفة أثرية، وأنه كان إلى حد ما سبباً في وجودهما معًا»، ولذلك حين يغرق المخطوط مع السفينة ليستقر مؤخراً في قاع المحيط الأطلسي، يتفرق المحبوبان وتضيع شيرين من بنجامين على مرافئ نيويورك، وعلى البر الغربي، يضيع الحب وتختفي المحبوبة، ولا يعرف أي سبيل إليها، ونفقد مصدر المعرفة ويموت التراث في صورة «المخطوط» إلى الدرجة التي تفرض تساؤلًا حول وجود شيرين حقيقية في حياة بنجامين.
«سمرقند» ليست مجرد جغرافيا سردية، وإطاراً عاماً تقع في أركانه الأحداث، وإنما هي مدينة الحب، الشاهدة على غرام عمر الخيام وجيهان، وهي حاضنة لعشق بنجامين وشيرين، والأخيرة تشبه سمرقند، في الانصياع للحب، وحده من دون منافس: «لقد تنبأ بهذا المنجمون منذ بدء الدهور وما كذبوا»، مشيرين إلى المدن التي لا تنصاع طواعية إلّا للهوى، مُدن وُلدت تحت شعار التمرد، من بينها سمرقند ودمشق وبالرمو، فما حدث قط أن خضعت لحكامها، إن لم يكن بالقوة، ولا هي اتبعت يوماً الصراط المستقيم، إن لم يُرسم بحد السيف.
كذلك تتقاطع شيرين وسمرقند في شرقية المدينة والمرأة، وللطبيعة الشرقية عند الأميرة خصوصية، لا تناسبها دوماً الرؤى والأطروحات الغربية، فعلينا نحن الشرقيين ونتيجة للظروف السياسية التي نحياها، حد رؤية شيرين «أن نصبر ونصابر، أن نخادع ونراوغ ونتراجع ونكذب، وأن نعد، تلك كانت دائماً حكمة الشرق، وقد شاء شوستر أن يتقدم بنا على إيقاع الغرب فقادنا مباشرة إلى الغرق»، لكن الجزع أو السياقات الغربية المتعجلة لا تناسب شيرين ولا مدينتها: «تذكرني فارس بسفينة شراعية منكودة، فالبحارة لا يفتأون يجأرون بالشكوى من أن الريح غير كافية لدفعهم، وفجأة ترسل عليهم السماء إعصاراً، عقاباً لهم».
ومع معرفة شيرين بطبيعة الفوارق بين الثقافتين الشرقية والغربية، تبحث عن نقطة التقاء بين الحضارتين، أرضية يمكن أن يقف الجميع فيها سواسية، ولأنها شخصية مثقفة بالأساس، تمثل لحظة التواصل مسألة مثاقفة وتثاقف مستندة على المساواة في الفاعلية والتفاعل، والتعايش الإنساني القائم على احترام الإنسانية وإنتاجها الإبداعي والثقافي، فترى شيرين في وجود مخطوط الرباعيات الشرقية على متن تيتانيك الغربية ضالتها، «رباعيات الخيام على ال«تيتانيك» وهرة الشرق التي تحملها زُهيرة الغرب! ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كُتب لنا أن تحياها!».
لكن «تيتانيك» لم تكن بهذه المساحة من الرحابة والاتساع الذي يمكنه أن يستوعب تثاقف الشرق والغرب، بل كانت السفينة، التي ظُن أنها لا تغرق أبدًا، مجرد وعاء مسخ بلا ملامح أصيلة، جمعت بين الشكليات السطحية شرقية وغربية من دون أن تلمس جوهر الأشياء، مكتفية بالمظهر الشكلي فحسب، مثل «استرخاء حمامات القسطنطينية أو القاهرة! شرفات مزخرفة بالنخيل؛ وفي غرفة الرياضة بين العارضين المتوازيين وجواد القفز الخشبي، كان يقوم جمل إلى كهربائي مخصص لإشعار راكبه، بمجرد ضغطه على زر عجيب، بالترجحات التي يحدثها السفر في الصحراء فوق ظهر جمل».
ومثل «فراخ محمرة بطريقة مدينة ليون، وهو طبق تخصص في صنعه رئيس الطباخين «بروكتور» يُصاحبها نبيذ صنع في «كوس ديتورنيل» عام 1887، ونحن نستمع إلى جوقة يرتدي أفرادها بذلات سموكن زرقاء داكنة ويعزفون «حكايات هوفمان» أو «الغيشا» أو «المغولي الأعظم» ل«لورد».
لذلك كان لابد أن تنتهي نقطة الالتقاء بفراق الحبيبين الأميرة الشرقية والرجل الأمريكي، لأنها مزيفة واستشراقية في فحواها، تقوم على تنميط الشرق في (الجمل والحمامات الشرقية) في مواجهة تنميط مقابل للغرب، والذي تختزله تيتانيك في المقطوعات الموسيقية وعازفين ببذلات سموكن.