أ.د عيادة بن أيوب الكبيسي*

في بعض البلاد الإسلامية غير العربية، صلى مع المسلمين صلاة الجماعة، ثم جلس للذكر بعد الصلاة، فإذا بالمؤذن يبدأ بصوت شجي مرتفع: «على رسولنا صلوات»، فوقعت كلمة «على رسولنا» في قلب هذا الرجل المستمع موقعاً مؤثراً جداً، وهزت مشاعره، فتأمل وقال في نفسه: هذا الذاكر غير عربي، والرسول عربي، وهو يقول: (على رسولنا)!! فذهب ذهنه بعيداً، وأصابه من الخشوع والحال ما لا يعلمه إلا الله، فإذا بقلبه يخفق، وعيناه تذرفان، وتذكر حال أمة الإسلام، فهذا الرسول العربي الخاتم صلى الله عليه وسلم، ليس رسولاً إلى العرب فحسب، إنه رسول إلى العالمين، وهؤلاء غير عرب، ويفتخرون بذلك، فاختاروا هذا اللفظ (على رسولنا) من بين سائر ألفاظ التكريم، التي تطلق على هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وإنهم ليعنون ذلك تماما، ويشهدونه فما بال هذه الأمة قد تمزقت اليوم، وهي أمة واحدة، ربها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة، ورسولها واحد؟
لم يزل هذا الرجل المستمع يفكر، ويعيد النظر في صفحات التاريخ الطويل لهذه الأمة، ويمر على الآيات الكريمة، من مثل قوله تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا»، (الأعراف: 158)، وقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، (الأنبياء: 10)، وقوله تعالى عن كتابه الكريم: «إن هو إلا ذكر للعالمين»، (ص: 87)، بل وقوله سبحانه عن نفسه: «الحمد لله رب العالمين»، إنها إذن عالمية، عالمية شاملة من جميع الجوانب والوجوه، إنها عالمية الإسلام، دين الله الحنيف، ومر بذهنه على بعض أحاديث هذا النبي العربي صلى الله عليه وسلم فإذا به يجد بينها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى»، «وكونوا عباد الله إخوانا»، ويمر على أصحابه رضي الله عنهم، الذين ناصروه ووقفوا إلى جانبه صلى الله عليه وسلم فيجد بينهم: بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي، بل إنه ليهتز قلبه مرة أخرى، عندما مر بذهنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اختار أحدا يوم الفتح ليرتقي على ظهر الكعبة يرفع أول أذان بمكة (الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله)، لم يختر أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علياً، رضي الله عنهم، إنما اختار بلالاً الحبشي، إنه بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ذلك الصحابي الذي كان يئن من ثقل الحجارة التي وضعت على صدره في بدء الإسلام، تلك الحجارة المحمية بحر الشمس، فلم يزد على قوله: «أحد أحد»، إذن فهو الذي يرفع شهادة التوحيد، ويرتقي فوق الكعبة المعظمة في الجاهلية والإسلام!! مما جعل بعض المشركين يقول: أما وجد غير هذا الغراب؟ أيّ غراب تعني أيها المشرك؟ إنه بلال، ذلك الصحابي الجليل، وإنها ثمرة التوحيد، وجزاء الصبر والثبات..
ومر بذهنه أيضاً عظماء أمة الإسلام وقادتها، وعلماؤها، وشعراؤها، وأدباؤها، بل ومن وضع معاجم اللغة فيها، فإذا به يقف على كم كبير، وجمع غفير، من غير العرب من المسلمين، الذين أبلوا بلاء حسنا في جميع الميادين، فأحبوا لغة العرب وأتقنوها حتى ربما بزوا في ذلك أهلها، وتكاتفوا مع العرب وأحبوهم، حتى نصروهم وشدوا من أزرهم، فكانوا خير أعوان وخير قادة وأفضل علماء، وخير شعراء وأنبل أدباء، وهل يخفى كتاب سيبويه، وتتلمذ كثير من العرب عليه؟
حقاً وصدقاً يحق لهذا الرجل المستمع، أن يهتز وهو يسمع هذا الذكر بذلك الصوت الشجي: (على رسولنا.. صلوات)، إنه رسول العرب والعجم، بل رسول الإنس والجن، صلوات الله وسلامه عليه، وقد آن لأمة الإسلام أن تعود إلى سالف مجدها، وتستعيد أيام عزها، فتتحقق الأخوّة، وتسود المحبة، وينتشر السلام، في ربوع الأرض، وتسعد البشرية به من جديد، كما سعدت به من قبل، وينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يذكّر بمثل هذا، ولو بكلمة يقولها، أو مقالة ينشرها، أو قصيدة يغرد بها، فإن الفاعل المختار إنما هو الله جل في علاه، وما سواه إن هي إلا أسباب، فيا مسبب الأسباب، ويا مجري السحاب، ويا هازم الأحزاب، عجل لهذه الأمة بعود حميد، ومسلك رشيد، عجل لها بمن يجدد لها دينها، ويحفظ عليها إيمانها وأمنها، ويقودها قيادة واحدة على صراطك المستقيم، فما ذلك عليك بعزيز، وإنك لعلى كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على رسول العالمين، والحمد لله رب العالمين.
* أستاذ التفسير وعلوم القرآن