تحقيق: راندا جرجس

يعد فرط التحسس من بعض الأغذية أو الأدوية من المشكلات المزعجة التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، حيث يضع أمامه العديد من المحاذير في تناول العديد من العناصر الغذائية والعقاقير الطبية التي ربما يكون في حاجة ماسة إليها، بالإضافة إلى رد الفعل التحسسي الذي يظهر على الجلد في صورة تورم واحمرار وحكة وغيرها من الأعراض المزمنة، وفي بعض الحالات الشديدة يمكن أن تتسبب مضاعفات فرط التحسس في تهديد حياة المصاب، وفي هذا التحقيق يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذا الموضوع والطرق الصحيحة للوقاية والعلاج.
يقول الدكتور محمد أبو زعكوك استشاري طب الحساسية والمناعة، إن التحسس الدوائي ينجم عن رد فعل يقوم به الجهاز المناعي تجاه دواء محدد يتضمن أجساماً مضادة ومكونات خلوية، وتتراوح الأعراض من خفيفة إلى شديدة، وتشمل طفحاً جلدياً، تورماً، حكة، حمى، ألماً في المفاصل، ضيقاً في التنفس، سيلان الأنف، إفراز الدموع في العينين، وتعتبر الحساسية المفرطة رد فعل نادر تجاه الأدوية، وتسبب خللاً واسع النطاق في أجهزة الجسم، وتجدر الإشارة إلى أن أي نوع من الأدوية سواء أكانت عشبية أو طبية، يمكن أن ينتج عن تناولها رد فعل، ولكن احتمال حدوث التحسس الدوائي الحقيقي يكون أكبر تجاه بعض الأدوية مثل البنسلين، ويمكن أن تلعب الجرعة وطريقة إعطاء الدواء دوراً مهماً في حدوث التحسس، حيث إن استخدامه بشكل متقطع يمكن أن يسبب حساسية أكثر من تناوله باستمرار.


فئة مستهدفة


يوضح د.محمد أن فرص التحسس الدوائي أكثر انتشاراً لدى النساء، كبار السن، مرضى نقص المناعة المكتسبة، وكذلك بعض المجموعات العرقية، حيث إن الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء معرضون لخطر فرط التحسس ضد مضادات الفيروسات عن غيرهم، فيما بينت دراسة أخرى أن الأمريكيين من أصل إفريقي يصابون بفرط التحسس الدوائي الناجم عن مثبطات الأنزيم المحول للأنجيوتنسين (أدوية ضغط الدم)، ويتم تقييم حالات المصابين من قبل مختص في أمراض الحساسية، وتستغرق العملية وقتاً طويلاً وتتضمن الاستفسار عن التاريخ الصحي وإجراء اختبار الحساسية، حيث تفيد هذه الفحوص في تأكيد وجود أدلة على حساسية تجاه دواء معين، لكنها لا تفيد في حالات الردود غير التحسسية أو المتأخرة.


إرشادات وقائية


يؤكد د.محمد على أن الابتعاد عن تناول الأدوية دون داعٍ يمثل إحدى الوسائل المهمة للوقاية من هذه الحالة، وفي حال تشخيص الإصابة بفرط التحسس الدوائي، ينبغي مناقشة تجنب الأدوية المسببة، كما يجب أن تتم مراجعة علاج حالات التعرض للحساسية بدقة من قبل الطبيب المختص، ففي بعض الأحيان تجب إزالتها بشكل سريع لدى بعض المرضى، وخاصة في حال كان الدواء ضرورياً لا يمكن تجنب استخدامه، وربما يستبعد اختبار الحساسية السلبية احتمال حدوث رد فعل شديد (الحساسية المفرطة)، لكنه لا يتوقع حدوث ردود الفعل اللاحقة.


التحسس الجلدي


تفيد الدكتورة مروة البدري أخصائية الأمراض الجلدية بأن فرط التحسس رفض الجهاز المناعي لمواد غريبة عن الجسم لحمايته من الجراثيم والأمراض والملوثات، حيث يلعب دور الهيئة الدفاعية عن سلامة الجسم، وتعد البشرة والأغشية المخاطية، والجهاز التنفسي، الجهاز الهضمي أكثر أجهزة الجسم تعرضاً للبيئة الخارجية والداخلية.
وتقوم هذه الأجهزة بإخطار الجهاز المناعي المتمثل في كرات الدم، الغدد اللمفاوية، الطحال، الغدة الثيموسيه الخ..) لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع المخاطر، وترافق الإصابة بالتحسس بعض الأعراض التي تكون بمثابة تنبيه كالاحمرار، التهاب، حكة، تورم، عطس، سعال، وآلام بالبطن في بعض الأحيان.


علامات الإصابة


تؤكد د.مروة على أن فرط التحسس يصيب أكثر من عضو، وربما يحدث فجأة وبشكل حاد مثل الارتيكاريا والتورم بعد لدغة حشرة أو تناول طعام أو دواء معين ويكون مصحوباً بحكة، ضيق في التنفس، أزيز الصدر، وصعوبة في البلع، ويمكن أن تودي هذه الإصابة بحياة الإنسان في دقائق، وهناك أنواع أخرى أقل خطورة مثل الإكزيما المزمنة أو الوراثية، التي تؤثر سلبياً في جودة الحياة فتسبب إحراج المريض أمام الآخرين، وتقلص في ساعات النوم، الذي يؤخر الأداء الدراسي، والقدرة على التركيز في العمل.
تضيف: يصيب فرط الحساسية الجلدية جميع الأعمار من المواليد إلى كبار السن، ويتفاقم عند الأطفال دون السادسة، ويقل تدريجياً في البعض، ويستمر إذا لم يتم علاجه مبكراً، ولكنه يتخذ أشكالاً مختلفة، وتقاس شدة التحسس بمساحة الجسم المصابة من 1% حتى 100% من سطح الجسم، وكلما زادت المساحة المصابة، ارتفعت معاناة المريض، وأصبح معرضاً للعديد من المضاعفات مثل الالتهابات البكتيرية أوالفيروسية، بالإضافة إلى فقدان الشهية، وعدم انتظام ساعات النوم، ما يؤثر في النمو لدى الأطفال، والقدرة على العمل عند الكبار والحالة النفسية للأسرة بأكملها.


علاجات حديثة


تذكر د.مروة أن تشخيص فرط التحسس يتم عن طريق اختبارات البشرة، وفحص الدم لاستكشاف درجة التحسس أو مسبباته، وعلى الرغم من التقدم في مجالات التحاليل المعملية للمواد التي تدخل الجسم عن طريق التنفس، واختبارات التحسس الغذائي والتلامسي، إلا أنه يصعب تحديد عامل الإصابة في الكثير من الحالات، ووجد حديثاً أن تحليل البروتين يشكل طريقة تساهم في التأكد من شدة التحسس قبل بداية العلاج المناعي الذي يتلخص في تجنب المهيجات، واستخدام مضادات الحساسية وربما يتم إعطاء الكورتيزون بجرعات صغيرة متقطعة، أو يتطلب الأمر استعمال المثبطات المناعية لتهدئة الجهاز المناعي، وخاصة عندما تكون المضاعفات تهدد حياة المصاب، ومع بدايات القرن الحالي تم اكتشاف أدوية مضادة لبعض البروتينات التي تفرزها خلايا التحسس (مع الحفاظ على الجهاز المناعي للدفاع عن الجسم) حيث يتم حقن العلاج تحت الجلد بإشراف الطبيب شهرياً حتى يشفى المريض.


التحسس الغذائي


تشير الدكتورة نور هشام طبيبة الصحة العامة إلى أن فرط التحسس الغذائي رد فعل ناتج من جهاز المناعة يحدث مباشرة بعد تناول أنواع من الأطعمة، حتى وإن كانت الكمية صغيرة، حيث يظهر التحسس الغذائي بسبب النشاط المفرط لجهاز المناعة عند التعرض لبعض أنواع الجزيئات، وبشكل عام تعد البروتينات أهم العناصر المثيرة للحساسية، حيث إن الجهاز المناعي يخطئ أحياناً في التعرف إلى إحدى المواد الموجودة في الطعام، ويحفز الخلايا لإطلاق جسم مضاد يعرف بالجلوبيولين المناعي E، وفي المرة التالية ترسل هذه الأجسام إشارة للجهاز المناعي لإطلاق مادة كيميائية تسمى الهستامين، بالإضافة لمواد كيميائية أخرى، في مجرى الدم، وتؤثر حساسية الغذاء على ما يُقدر بنسبة 6 إلى 8 % من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 3 سنوات وعلى 3% من البالغين، بالرغم من عدم وجود علاج قطعي، يتخلص بعض الصغار منها كلما تقدموا في السن، وتحدث نحو 90% من حالات فرط التحسس الغذائي بسبب البيض، الحليب البقري، القمح، الصويا، المكسرات، الأسماك، الفراولة، المانجو، الكيوي.


أعراض تشخيصية


توضح د.نور أن تشخيص الحساسية لأنواع الغذاء يبدأ من الاطلاع على ما يتناوله المريض يومياً، ما يتيح للطبيب الربط بين ظهور أحد الأعراض وأنواع الأطعمة، أما الإجراء الأدق فيتمثل في حقن عينة من نوع الغذاء المشكوك فيه إلى ما تحت الجلد ثم مراقبة ردة فعل الجسم لدى المريض، وظهور انتفاخات واحمرار موضعي بلون البشرة في بعض الحالات، ويمكن الاستعانة بقياس مستويات المضادات من نوع (IgE) في الدم بعد التعرض لأنواع مختلفة من الأغذية، من أجل التعرف إلى مسبب الحساسية، وتظهر العلامات الأكثر شيوعاً في شكل وخز أو حكة في الفم والعين، إكزيما، سيلان الأنف، ألم في البطن، تورم الشفتين أو الوجه أو اللسان أو الحلق أو غير ذلك من أجزاء الجسم، بعض أنواع الصداع النصفي (الشقيقة).


مضاعفات متعددة


تبين د.نور أن حساسية الغذاء يمكن أن تسبب تفاعلاً جلدياً، وفي بعض الحالات، تهدد حياة المريض، وتؤدي إلى انقباض وتضيق المسالك الهوائية، تورم الحلق وصعوبة التنفس، انخفاض حاد في ضغط الدم، وتعتمد الخطة العلاجية على تجنب الأطعمة المسببة للتحسس، واتباع حمية غذائية، بالإضافة إلى تعويض المواد الغذائية التي ينقطع عنها المريض مثل الكالسيوم، فيتامين (ب)، البروتينات، الألياف، المعادن، أما في الحالات الخطيرة فيتم حقنهم بالأدرينالين.


الجهاز العصبي


لا يصنف المرض كاضطراب، ولكن يجعل الجهاز العصبي للإنسان أكثر حساسية تجاه الأصوات والأضواء والروائح النفاذة، مما يؤدي إلى وجود شعور دائم لدى المصابين بالارتباك والفزع عند التعرض لهذه المواقف.
وعلى الرغم من قيامهم بمجهود في التركيز وعدم الاستسلام لهذه الحالة، فإنهم يتأثرون سلباً بالحالة المزاجية للآخرين، ولذلك فهم بحاجة إلى مساعدة العائلة والأصدقاء في اجتياز هذه المرحلة، إضافة إلى ممارسة تمارين الاسترخاء، والتنفس والتدريب على النوم بشكل جيد، والحد من تناول الكافيين.