سجله حافل بالشجاعة والبطولة والتضحية في ميادين القتال دفاعاً عن دين الله ومناصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعزّ الله به الإسلام وقوى به شوكة المسلمين حتى تحقق النصر للمسلمين في العديد من المعارك الدفاعية، وكانت نهايته الموت على فراشه نتيجة الإصابة بطاعون عمواس، ولذلك يعده بعض المؤرخين من الشهداء الأبرار .
كان أبو عبيدة من السابقين في الإسلام، وكان أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة، وقد وقفت أسرة أبي عبيدة ضده بكل ما تستطيع، وحاولت بكل الطرق أن تصده عن الإسلام، وبالغت في إيذائه والنيل منه، وكان على رأس المنكلين به المعذبين له والده عبد الله الجراح .
لما اشتد الاضطهاد والأذى على المسلمين جميعاً، وعلى أبي عبيدة ولم يجد في قبيلته من يقف معه بل تواطأ الجميع عليه، هاجر إلى الحبشة مع المسلمين في هجرتهم الثانية .
محنة أحد
شارك أبو عبيدة في كل الغزوات الكبرى وعلى رأسها (بدر الكبرى) التي وقعت في السنة الثانية للهجرة، وفي السنة الثالثة للهجرة كانت موقعة (أحد) التي حاول فيها المشركون الانتقام لنكبتهم في غزوة (بدر) وقد نصر الله المسلمين في أول المعركة لولا أن الرماة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا مواقعهم فهاجمهم المشركون من الخلف ودفع الرسول صلى الله عليه وسلم، أغلى ثمن حين انفرط عقد جيش المسلمين، وعمد المشركون إلى التركيز عليه لقتله، فتحلق حوله عدد من المسلمين يفدونه بأرواحهم وأجسادهم حتى من النساء، وكان أبو عبيدة ممن ثبت مع الرسول في هذه المحنة .
وتروي كتب التاريخ وقفة كريمة لأبي عبيدة بن الجراح في غزوة أحد لنصرة الإسلام، فحينما ترك الرماة الجبل وتكاثر المشركون على المسلمين اختار أبو عبيدة موقعه القتالي بالقرب من رسول الله، صلى الله عليه وسلم وجال سيفه وصال في رقاب الكفار، فقد كان حريصاً على ألا يقترب أحد من كفار قريش من رسول الله، وحينما رأى سهماً ينطلق من يد كافرة ليصيب النبي تضاعفت حدة قتاله للمشركين حتى فرقهم وطار صوب رسول الله الذي كان يمسح الدم من على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم .
ورأى أبو عبيدة حلقتين من حلق المغفر الذي كان يضعه رسول الله فوق رأسه قد دخلتا في وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم .
ويروي أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، ما حدث بعد ذلك فيقول: لما كان يوم أحد، ورُمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر أقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنسان قد أقبل من قبل الشرق يطير طيراناً . فقلت: اللهم اجعله طاعة . حتى إذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركته فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه . ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت فكان أبو عبيدة في الناس أشرم .
صبر وجلد
في موقف آخر يدل على جلد أبي عبيدة وصبره وقوة تحمله للشدائد مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أبا عبيدة شامخا لا يحفل بقسوة الصحراء وقلة الزاد، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة أميرا على سرية تضم ثلاثمئة رجل من المهاجرين والأنصار إلى حي من جهينة على ساحل البحر ليرصدوا عيراً لقريش . وزودهم رسول الله بجراب من تمر هو كل طعامهم فكان أبو عبيدة يعطي الواحد منهم في اليوم والليلة تمرة واحدة يمصها أول النهار ثم يأكلها في منتصفه، وقد أقام المسلمون في الساحل نصف شهر وبعد أن انتهى التمر اضطر المسلمون إلى أكل الجنط الذي سميت السرية باسمه، والمقصود هنا هو ورق الشجر، حيث كان المسلمون يخبطون، أي يضربون ورق الشجر بالعصي فيسقط فيأكلونه، ثم ألقى البحر دابة كبيرة يقال لها حوت العنبر . فقال لهم أبو عبيدة: ميتة لا تأكلوا . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: جيش رسول الله وفي سبيل الله . ونحن مضطرون . فأكلوا من حوت العنبر عشرين ليلة ولما رجعوا إلى المدينة ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث مع دابة البحر فقال: إنما هو رزق رزقكموه الله .
وقد وثق الرسول صلى الله عليه وسلم، ببطولة أبي عبيدة فبعثه قائداً في بعض السرايا ومنها سرية (ذي القصة)، كما أسهم في فتح مكة تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم وكان في مقدمة الجيش .
وقد أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم معلماً لأهل اليمن قائلاً في تزكيته: هذا أمين هذه الأمة، كما أرسله إلى نجران بناء على طلبهم، وفي حروب الردة أرسله أبو بكر على رأس جيش عدته سبعة آلاف وخمسمئة مقاتل وأصدر أبو بكر أمراً للجيوش المرسلة إلى الشام قائلاً: إذا اجتمعتم على قتال فأميركم أبو عبيدة .
فتوحات الشام
وعندما جاء الدور على الشام والدخول في المعارك الحاسمة وعلى رأسها اليرموك، اختار الخليفة أبو بكر (خالد بن الوليد) قائدا عاما، وكتب كتاباً إلى أبي عبيدة يقول له فيه: أما بعد فإني قد وليت خالد بن الوليد قتال الروم في الشام فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره، فإني وليته عليك، وأنا أعلم أنك خير منه ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد .
وقبيل المعركة حاول الروم التجسس على المسلمين لمعرفة قوتهم وضعفهم وأحوالهم المختلفة فأرسل قائدهم رجلاً من نصارى العرب اندس في صفوف المسلمين لينقل الأخبار للروم، فأقام فيهم سراً يوماً وليلة ورجع إلى قائد الروم، فقال له القائد ما وراءك؟ فقال يصف المسلمين: هم قوم يقومون الليل كله يصلون، ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل أُسد بالنهار، لو يسرق ملكهم لقطعوا يده ولو زنى لرجموه لإيثارهم الحق، فقال: لئن كان هؤلاء القوم كما تزعم وكما ذكرت، لبطن الأرض خير لمن يريد قتالهم ولقاءهم من ظهرها، ولوددت من الله أن يخلي بيني وبينهم فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم عليّ .
وفي أثناء معركة اليرموك جاء نعي أبي بكر الصديق وتولية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأمر عمر بعزل خالد بن الوليد، رضي الله عنهم جميعا، عن قيادة الجيش وتولية أبي عبيدة مكانه، فاستلم الرسالة أبو عبيدة رضي الله عنه ولم يخبر خالدا بعزله، فلما علم خالد بعد ذلك عتب على أبي عبيدة، حيث إن كل واحد منهما لم يكن يرغب الإمارة لنفسه، وكان سبب عزل عمر لخالد خشيته من اتكال الناس عليه، حيث قال عمر رضي الله عنه: إني لم أعزل خالداً عن سخطه ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع للنصر، وليس خالد بن الوليد .
إن فتوحات أبي عبيدة بن الجراح لا تكاد تحصر كما يقول المؤرخون الإسلاميون فهناك مدن كثيرة فتحها أثناء توغله في الشام؛ فقد فتح مدن: (حمص، وحماة، واللاذقية، وإنطاكية، ومعرة مصرين، وحلب، وشيزر) وتحت قيادته جالت خيول المسلمين في تلك الربوع ففتحت يوقا وقرى الجومة وسرمين ومرتحون وتيزن، واستولى المسلمون على جميع أراضي قنسرين وإنطاكية، ثم سار أبو عبيدة إلى قورس فصالحها على صلح إنطاكية، ثم فتح مدنا أخرى في تلك المنطقة هي: تل عزاز، ومنبج، ودلوك ورعبان على الصلح، واشترط على أهلها أن يخبروا المسلمين بتحوطات الروم، ووجه أبو عبيدة خالد بن الوليد وهو في (منبج) إلى (مرعش)، ففتحها، كما فتح حصن (الحدث) وبذلك أكمل أبو عبيدة فتح بلاد الشام .