تعكف مراكز الأبحاث الطبية في الولايات المتحدة على تطوير واختبار أدوات ومعدات ذات مستوى تكنولوجي رفيع تساعد في تسهيل إجراء عمليات جراحة الدماغ وإنجاحها ومتابعتها. ويعمل علماء وباحثون بالتعاون مع الدكتور هراير شاهينيان اختصاصي جراحة الدماغ في باسادينا بولاية كاليفورنيا منذ فترة لإنتاج أداة تقوم بتصوير وعرض صور ثلاثية الأبعاد أثناء إجراء عملية جراحية في الدماغ، كما يمكنها أيضاً القيام بمسح أو كشف ضوئي دقيق للزوايا والأركان المختلفة داخل الدماغ.

ويعلق المسؤولون في المختبر المذكور على مشروع إنتاج هذه الأداة التقنية الجديدة قدراً كبيراً من الأهمية لأن هذه التقنية ذاتها قد تسهم في تحسين وتطوير عمليات استكشاف كوكب المريخ.

وقد باشر الدكتور شاهينيان جهوده العلمية والاستكشافية حول عمليات جراحة الدماغ وما يحيط بها من ظروف وصعوبات عام 1994 من خلال دوره كرئيس لمعهد قاعدة الجمجمة، حيث اعتبرت جهوده رائدة في هذا المجال.

والمعروف ان عمليات الجراحة الدماغية كانت قاسية حتى التسعينات، وكانت تتطلب شق جرح طويل وكبير اضافة لكونها محفوفة بالمخاطر حيث كان الأطباء يضطرون فيها إلى بتر أو قطع أجزاء طويلة وعميقة من الجمجمة للوصول إلى الدماغ.

لكن الأساليب والتقنيات جعلت اجراء هذه العمليات أكثر سهولة ونجاحاً الان، بل زادت من تحسين وتطوير ظروفها، إذ أصبح بالامكان إجراء جراحة في الدماغ من خلال الأنف أو ثقب خلف الأذن أو فوق الحاجب كما يفعل الدكتور شاهينيان وزملاؤه في مركز بورتمان الطبي في مدينة كولفر في كاليفورنيا ومراكز طبية ومستشفيات أخرى.

ويقول الدكتور أمين قسّام مدير قسم عمليات جراحة الأعصاب في جامعة بيتسبرغ: لا بد من العثور على علامات حدود إرشادية أو أحداث أو تطورات بالنسبة لعمليات الجراحة، فالأمر يشبه معرفتك لكيفية العثور على منزلك من خلال طريق واحدة ثم محاولة إيجاده ثانية من خلال طريقة ثانية مختلفة تماماً.

وتقوم المراكز الطبية والهيئات البحثية العلمية التي يتعامل معه شاهينيان وقسام بتدريب الجراحين على آخر وأحدث التقنيات في جراحة الدماغ.

فعلى سبيل المثال استضاف مركز يو سي آي الطبي مؤخراً دورة عالمية في كيفية جراحة الدماغ بمساعدة أداة أنبوبية لفحص الأعضاء الداخلية.

ويقول الدكتور مارك لينسكي رئيس قسم جراحة الأعصاب في المركز إنه لم يقم بعملية جراحة مفتوحة منذ 12 عاماً، في حين يقوم أطباء غيره بإجراء خمس عمليات كل شهر.

كما أجرى شاهينيان وزملاؤه أكثر من ثلاثة آلاف عملية في الدماغ بمساعدة الأداة الأنبوبية، اما الدكتور قسام فقد اجرى أكثر من 1000 عملية باستخدامها.

الجراحة خطوة خطوة:

خضعت الأمريكية تريسي مونتغمري (36 عاماً) من أوريغون والتي تعمل في مجال العقارات لجراحة في الدماغ على يد الدكتور شاهينيان قبل ثلاثة أعوام بعد ان تفاقم ورم في الغدة النخامية وأصبح يسبب لها نزيفاً طمثياً غير منتظم.

وبعد إخضاعها لفحص التصوير بالرنين المغناطيسي )MRI(، تولى عدد من الأطباء علاجها بأدوية سببت لها آثارا جانبية مخيفة مثل الأرق والإحباط والصداع وأوجاع الرأس وآلام المعدة.

وقالت مونتغمري إن طبيبها المختص بأمراض الغدد كان قد أبلغها بأنها تحتاج إلى عملية، لكنه لا ينصح بأية جراحة، وعندما اطلعت من خلال الإنترنت على ما يقدمه مركز شاهينيان الطبي في لوس أنجلوس بشأن حالتها، حيث وصفته أمها بأنه أفضل الأفضل.

وقالت إن هذا الطبيب يجري عمليات جراحة لا تحتاج إلى شق أو قطع جرح طويل أو كبير، وإن غرفة العمليات التي اجرت فيها العملية كانت تضم جهازاً كبيراً ومتطوراً للتحديد والتعريف مزودا بشاشة مراقبة ويتصل بأداة أنبوبية للمسح الضوئي والتصوير تشبه الأدوات التي تستخدم في عمليات الجراحة التي تتطلب إحداث جرح صغير في الركبة وغيرها.

وتحدثت عن شاهينيان وهو يشق ممراً من فتحة أنفها اليمنى عبر فجوات وجيوب وتجاويف حتى وصل إلى الدماغ وكل ذلك تحت عين شاشة المراقبة التي تسجل العملية الجراحية بالفيديو من خلال مجسات بصرية عند نهاية الأداة الأنبوبية.

وبعد وصوله إلى أسفل قاعدة الجمجمة قام بقطع قطعة عظمية مستطيلة الشكل وصغيرة للغاية بجوار الغدة النخامية ليكشف بذلك عن الغشاء الضارب إلى الزرقة الذي يحيط بالدماغ ولا يكف عن الخفقان.

ثم أشار إلى بقعة على الشاشة لونها مزيج من الرمادي والأرجواني وقال: الورم هنا.

ثم انتزع قطعة صغيرة للغاية من تلك البقعة لإرسالها الى المختبر لتحليلها وفحصها، ثم قام بإزالة بقية الورم وبعض الأنسجة الدماغية المحيطة به.

وقال شاهينيان بعد العملية: بسبب الأدوية التي كانت تتناولها مونتغمري كان الورم صلباً كالحجر وهذا غريب وعجيب لأن الورم لين في العادة.

ثم قام بانتزاع قطعة من الأنسجة الدهنية من أسفل بطن المريضة واستخدمها في سد الثقب الذي قام بشقه وفتحه للوصول إلى الدماغ.

وقالت المريضة إن العملية كانت ناجحة تماماً بنسبة 100% وكانت رحلتها إلى الشفاء قصيرة رغم معاناتها من الصداع وأوجاع الرأس في أول يومين، وقالت ان الناس كانوا يصابون بالدهشة والصدمة حينما كنت أقول لهم إنني خضعت لجراحة في الدماغ.

وأسهبت مونتغمري في الإشادة بما قام به الدكتور شاهينيان وامتداحه بينما اعتبر الأطباء هذا إنجازاً كبيراً ومجالاً فسيحاً للتقدم العلمي.

وقال شاهينيان: الطبيب الجراح هو في الغالب أشبه بالطيار المقاتل الذي يحب ويحرص على الاطمئنان على أدواته ومعداته التي تمكنه من رؤية الفضاء أمامه ومن حوله بما يساعده على تحديد الهدف ومعرفة الاتجاهات.

وتقدم الأداة الأنبوبية التي تم استخدامها صوراً ثنائية الأبعاد وهو ما جعل الجيوب والتجاويف والفجوات داخل أنف المريضة مونتغمري تبدو كالجدار المسطح بدلاً من أن تبدو كغرفة عميقة.

ولهذا فقد تعاقد شاهينيان مع شركة جي بي إل للبدء في تطوير وإنتاج أداة أنبوبية تقدم وتنتج صوراً ثلاثية الأبعاد قادرة على الوصول إلى الزوايا والأركان، وذلك في إطار صفقة ب 3,1 مليون دولار، حيث سيكون التصميم والنسخة النموذجية الأولى جاهزين أواخر العام المقبل 2009 أو 2010 طبقاً لما يقوله هاريش مانوهارا مشرف المجموعة الفنية في الشركة، والذي يأمل في أن تساعد هذه التقنية الجديدة أيضاً في غرفة العمليات في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا ومهماتها الفضائية وخاصة مهمة المركبة مارس روفر في المريخ حيث تتولى كاميرات متناهية الصغر توجيه المركبة للسير في الصدوع والشقوق وكذلك السير على السلسلة الصخرية.