محمد ولد محمد سالم

لن تنتهي تظلّمات العرب من جائزة نوبل للآداب قريباً، فربما تمر عقود وعقود والشكوى مستمرة، فبعد 18 عاماً من حصولهم على الجائزة اليتيمة جائزة نجيب محفوظ عام 1988، يبدو الأدباء العرب منهكون من كثرة التشوف لها، محبطون من كثرة الترقب لها عاماً بعد عام دون جدوى، ساخطون على التجاهل من طرف أعضاء الأكاديمية السويدية، التي تمنح الجائزة، رغم أنه على مدى السنوات الماضية دخلت أسماء أدباء عرب كبار لائحة الجائزة، لكن ذلك لم يسفر عن شيء لهم.

يستحق الأدب العربي المعاصر أن يكون له أسماء عديدة في لوائح الفائزين بهذه الجائزة، ويستحق أدباء عرب كثر هذه الجائزة، ورغم أن عمر الجائزة حتى الآن 115 عاماً، وأن النهضة الأدبية العربية الحديثة عاصرتها تقريباً في القرن الماضي، وسطر فيها أدباء كبار أسماءهم، رغم ذلك فإن الجائزة تأخرت كثيراً قبل أن تذهب لأي أديب عربي، وكان في الأدباء العرب قبل منتصف القرن الماضي عباقرة سبقوا نجيب محفوظ، وأهلهم عطاؤهم لهذه الجائزة، لكنهم لم يرشَّحوا لها، وذهبوا دون الحصول عليها، ونذكر هنا طه حسين الذي امتلك قلماً أدبياً رصيناً، وأسلوباً متوهجاً، وكتب نصوصاً إبداعية رائعة مثل الأيام ودعاء الكروان وشجرة البؤس والمعذبون في الأرض، ولو حكمنا بأن طه حسين مقل في كتابته الإبداعية، قد طغت عليه شهرته النقدية والأكاديمية، فهناك كاتب رفيع المستوى أصيل محكم الفن هو توفيق الحكيم ( 1898- 1987) الذي أصل للكتابة المسرحية في الأدب العربي، وأنجز فيها مشروعاً أدبياً متكاملاً، سبر أغوار المجتمع والفرد العربي بمعالجة ذات طابع إنساني أصيل، وهو صاحب المؤلفات المسرحية الشهيرة مثل: أهل الكهف، شهرزاد، الأيدي الناعمة، بجماليون، الملك أوديب، سليمان الحكيم، السلطان الحائر، الصفقة، الطعام لكل فم، العش الهادئ، الورطة، إيزيس، براسكا أو مشكلة الحكم، الخروج من الجنة، لعبة الموت، هذا فضلاً عن رواياته:عودة الروح، يوميات نائب في الأرياف، عصفور من الشرق.

ومن الجيل اللاحق لنجيب محفوظ نفسه يعتبر الطيب صالح (1929 - 2009) أحد أهم الكتاب الذين كانوا جديرين بها جدارة نجيب محفوظ، ولو لم يكن له إلا روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» لاستحقها بها، لكنّ له أيضاً (عرس الزين، مريود، ضو البيت)، وهي روايات قصيرة إضافة إلى مجموعتيه القصصيتين «نخلة على الجدول»، و«دومة ود حامد»، ولعل قلة إنتاجه الأدبي أسهمت في عدم ترشيحه لها، كما ساهم فيه أيضاً زهده فيها، وعدم سعيه للترشح، فقد كان هناك سعي جدي لترشيحه لها في سنته الأخيرة، من جهات أدبية عربية وعالمية، لكن الموت سبق ذلك، ويمكن أن نذكر أيضاً الدكتور يوسف إدريس الذي قدم بدوره مشروعاً قصصياً متكاملاً، والتقط معاناة الإنسان العربي في حدود منتصف القرن الماضي، وقد كان إنتاجه الأدبي جديراً بها، ويمكن أن نذكر أدباء آخرين من تلك الحقبة، وعلى مستوى الشعر كان بدر شاكر السياب( 1926 - 1964) جديراً بها فقد أنجز مشروعاً أدبياً متكاملاً بين الريادة والإبداع، فكان رائداً للشعر الحر ووصل به إلى قمة الإبداع، وأنجز مؤلفات شعرية وترك مجموعات شعرية عديدة شاهدة على أصالة إنتاجه الأدبي ورسوخه في الإبداع ونظرته الإنسانية العميقة.كذلك نزار قباني والبياتي وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، لكن الشعر في تلك الفترة أبعد ما يكون عن نوبل لأنه يحمل هموم العرب ويقارع ««إسرائيل»» والاستعمار الغربي ومخلفاته، فهيهات أن يلتفت إليه، كما أن الأدباء العرب لم يكونوا في تلك الحقبة مهووسين بنوبل كما هو حاصل الآن.

لا يعني عدم فوز أديب عربي بالجائزة بعد نجيب محفوظ، أنه لا يوجد في الأجيال اللاحقة عليه من يستحقونها، فمشروع الغيطاني الإبداعي هو الآخر مشروع متكامل يستحق، وإبداع إنساني أصيل يستحق عليه الترشيح، ومنه رائعته رواية «الزيني بركات» و«رسالة شاب عاش من ألف عام» و«وقائع حارة الزعفراني» و«رسالة البصائر والمصائر» و«التجليات» و«رن» وغيرها، ورغم ذلك لم يرشح لها حتى الآن.
كذلك جبرا إبراهيم جبرا، وإبراهيم نصر الله، وعلى مستوى الشعر لا أحد يجادل في أن محمود درويش على المستوى الإبداعي هو شاعر على مستوى نوبل، وكان يتوقع قبل موته أن يرشح لها، لكنه ذهب قبل أن يحظى بذلك الترشح.
ليس العرب وحدهم هم من يتظلمون من نوبل، ففي اليابان والصين والهند وإفريقيا السوداء وأمريكا اللاتينية، يتظلمون منها أيضاً، ويعتبرون أنفسهم مغبونين فيها، ويعتبر الكثير من المثقفين في العالم أنها جائزة غربية بدرجة أولى تتجه لخدمة الغرب بمفهومه التقليدي الذي يجمع أوروبا الغربية وأمريكا، (التجمع الرأسمالي الإمبريالي بالمفهوم التقليدي الشيوعي)، ومع انتصار هذا العالم وتحول مفاهيمه إلى نظام عالمي، أصبح لزاماً على الكتاب في مختلف أنحاء العالم إذا أرادوا أن ينالوا نوبل أن يعتنقوا تلك المفاهيم ويدافعوا عنها، ولهذا الرأي نسبة من الحقيقة، لكن الثابت أيضاً أن جائزة نوبل تعطى على مجمل الأعمال الأدبية للكاتب، وينظر فيها إلى الأصالة والإبداع في ما يقدمه هذا الأديب، وفي حالات نادرة أعطيت لكتاب متوسطي الموهبة، ولا تسلم الجوائز من أخطاء، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن معظم الذين حصلوا عليها كانوا مبدعين بحق، وبعد تحقق الإبداعية في عمل الكاتب يأتي دور الشروط الأخرى، والتي تنبع في معظمها من مفاهيم غربية، ولهذا احتج الكاتب الصيني مو يان على الصحفيين الغربيين أثناء حفل تسلمه لجائزة نوبل، عندما واجهوه بأسئلة تتعلق بانتمائه الشيوعي ومناصرته للحكم الشيوعي الصيني، احتج عليهم بأنه لم يكن يظن أنه قدم إلى محاكمة سياسية، وأخشى ما يخشاه أعضاء الأكاديمية السويدية - إذا افترضنا سلامتهم من الانحياز - هو أن تشن عليهم الصحافة الغربية هجوماً بسبب اختيار كاتب ذي ميول شيوعية أو إسلامية أو يحمل عداوة ل««إسرائيل»» أو لا يتبنى المفاهيم الغربية حول المرأة والمثلية وغيرها، فمثل أولئك الكتاب من الصعب أن يدخلوا اللائحة النهائية للجائزة، ولهذا فقد أصبح الكتاب في العالم يبرمجون أنفسهم على تلك المفاهيم ويصرحون علناً بتبنيهم لها وانتمائهم لها.
بعد نجيب محفوظ أصابت الصرعة أدباء كثر، أصبحوا يصقلون آنيتهم كل سنة ترقباً لأن ينزل فيها غيث هذه الجائزة، وقد أساء محمود درويش إلى تاريخه الإبداعي والنضالي كرمز من رموز فلسطين المقاومة عندما اضطر تحت تأثير الطمع في الجائزة إلى عدم نشر بعض القصائد من جديده مثل قصيدة «عابرون في كلام عابر»، ودخل في علاقاته مع مثقفين يهود لكي يتجنب تهمة معاداة «إسرائيل» (أي معاداة السامية بالمفهوم الغربي) طمعاً في الترشح لنوبل، أما أدونيس فتاريخه مع الجائزة طويل، فهو الوحيد بين كتاب العربية، الذي وصل اسمه إلى الجائزة بعد نجيب محفوظ، وهو على لوائحها منذ سنوات، ولم يكن في حاجة لتأكيد نعرته ضد العرب والحضارة العربية، لأنه تقريباً نشأ بتلك النعرة، لكنّ ما يجعل أدونيس يفشل حتى الآن في الحصول عليها، هو افتقار إنتاجه الشعري إلى الأصالة الإبداعية والعمق الإنساني، وركوبه في مجمل ما أنتجه من أشعار مركب الغموض المستغلق الذي لا يفهمه أبناء العربية، فكيف به إذا ترجم، هذا رغم أن أدونيس رائد أدبي كبير، وهو من أكثر الذين أثروا بإنتاجهم النظري والفكري في تاريخ الشعر العربي الحديث، لكن التنظير والنقد شيء، والإبداع الأدبي شيء آخر، ولا تأخذ نوبل الجدارة النقدية والأكاديمية في اعتبارها.