يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد . وقد قال الفقهاء بأن اجتهاد الحاكم لا يعني اتباع هواه، بل اتباع دليل، ومعرفة الأدلة لا تتأتى من إنسان فارغ .
- لذلك فإن من يتولى الحكم أو القضاء، ينبغي أن يكون على علم ومعرفة، وله أفق واسع وذكاء، وعارف بمسائل القضاء، ويمتلك القدرة على التأمل في الدلائل والقرائن ومعرفة الحق .
ولكي يصل القاضي إلى معرفة الحق لابد أن يتبع طريقة من الطرائق التي ذكرها الفقهاء في كتبهم مثل:
- معرفة القاضي بالشيء كأن يشاهد شيئاً معيناً بعينه .
- ظهور الوقائع أمامه عن طريق البينة الشرعية، والبينة الشرعية يرى بعضهم أنها محصورة في شهادة الشهود وحجتهم، واستشهدوا بقوله تعالى ثم لم يأتوا بأربعة شهداء (سورة التوبة: 3)، وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك .
- لكن هناك من يرى غير ذلك، فابن القيم يذكر في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أن البينة ليست مقصورة على شهادة الشهود، لذلك فإنه أوصل البينات الشرعية إلى 26 بينة منها: الحكم باليد المجردة، والحكم باليد من يمين صاحبها، والحكم بالتواتر والاستفاضة، والحكم بالخط المجرد، والحكم بالعلامات الظاهرة، والحكم بالقرعة، والحكم بالقافة، والحكم بأخبار الآحاد وهكذا .
- ويرى ابن حزم في كتاب المحلى ج 9 ص 426-429 أن البينة تشمل الشهادة وعلم القاضي بالشيء، سواء علم به قبل توليه القضاء أو بعده، ويستشهد بقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله .
ويقول تعليقاً على الآية: وليس من القسط أن يترك الظلم على ظلمه لا يغيره .
- ويقول الإمام القرافي المالكي: والحجاج شأن القضاة والمتحاكمين، والمقصود بالحجاج هي ما يقضي بها الحاكم، وقد اوصلها القرافي إلى 17 حجة هي: الشاهدان، والشاهدان واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين، والمرأتان واليمين، والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة ايمان في اللعان، وخمسون يميناً في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، واليمين وحدها بأن يتحالفا ويقسم بينهما فيقضي لكل منهما بيمينه، والإقرار، وشهادة الصبيان، والقافة، وقمط الحيطان وشواهدهما، واليد، راجع الفروق للقرافي ج 4 ص 83 .
- ومن هذا يعرف أن البينات المتفق عليها بين الفقهاء أربعة هي: الشهادة والإقرار واليمين والمستندات الخطية المقطوع بها لقوله تعالى: ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة، وأدنى أن لا ترتابوا، إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها (سورة البقرة: 281) .
أما المختلف فيها فكثيرة كما بينا، والخلاف نشأ كما قلنا آنفاً، عندما فهم البعض أن البينة الواردة في الكتاب والسنة، يراد بها شهادة الشهود وحجتهم .
وفهم البعض الآخر غير ذلك، والحق أن الكتاب والسنة لم يصرحا بدليل واحد على حصر البينة في شهادة وحجتهم، بل المقصود الدليل والبرهان أياً كان نوعه .
- من أجل ذلك فإن المذاهب الأربعة مع حصر طرائق الإثبات في ما ورد به نص شرعي صراحة أو استنباطاً، ويرى ابن تيمية وابن القيم وابن فرحون المالكي وآخرون أن طرائق الإثبات ليست محصورة في عدد معين بل يشمل كل ما يطمئن إليه القاضي .