يعود تراجع المسلمين في موقعة بلاط الشهداء إلى عدة عوامل منها:

1 مناخ الإقليم ووعورة مسالكه وجهل المسلمين بدروبه وشعابه.

2 شدة مقاومة السكان المحليين، واستماتتهم في القتال.

3 عدم وجود قواعد إسلامية في الإقليم تمون الجيش، وتقدم له المساعدات والنجدات السريعة في مثل هذه الظروف.

4 تفرّق كلمة المسلمين وانقسامهم على أنفسهم، لأن العناصر التي كان يتشكّل منها الجيش الإسلامي، كانت غير منسجمة ولا سيما بعد أن استشهد عبد الرحمن الغافقي والذي كان على خلاف مع أحد القادة المغاربة وهو مونوسة الذي كان يتولى حكم الإقليم الشمالي لبلاد الأندلس، وكان خلافهما حول المكان الذي تتجه إليه الحملة، فقد عارض مونوسة عبد الرحمن في غزو أقطانيا لأن صاحبها تربطه معاهدة مع المسلمين، بالإضافة إلى رابطة المصاهرة مع مونوسة، فغضب هذا الأخير وأدار أعنّة الخيل إلى عبد الرحمن الغافقي ودارت بينهما معركة، قتل فيها مونوسة، فانسحب كثير من المغاربة من جيش عبد الرحمن لمقتل قائدهم، ودخل بعضهم المعركة ونفوسهم متغيرة، بالإضافة إلى التنافر المزمن بين اليمنية والقيسية فضلاً عن مغادرة الجند لمواقعهم لإنقاذ الغنائم الكثيرة التي داهمها الدوق أودو.

وكان عبد الرحمن يخشى على المسلمين من الغنائم الكثيرة التي كانوا يحملونها معهم أثناء تنقلهم، وأراد أن يأمرهم بتركها لئلا تكون عائقاً لهم، فتشغلهم عن الجهاد. ولكنه لم يجرؤ على ذلك حتى لا يثير نفوسهم. وربما كانت هذه الأسباب كلها قد حالت دون انتصار المسلمين في هذه المعركة المصيرية. ويشير المؤرخ الأندلسي المقرّي إلى تفرق كلمة المسلمين عامة والعرب على وجه الخصوص في الجيش بقوله: إن عساكر المسلمين احتلوا البسائط وراء دروب الجزيرة، وتوغلوا في بلاد الفرنجة، وعصفت روح الإسلام بأمم الكفر من كل جهة، وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف وتنازع أوجد للعدو بعض الكره.

فالخلافات بين الجند فتحت الفرصة للعدو، فكانت الهزيمة ثقيلة، وكان لذلك صدى عميق الأثر في نفوس المسلمين عامة وأهل الأندلس والمغرب خاصة، وقد فرح الإفرنج وهللوا لهذا الانتصار، واعتبروه انتصاراً مسيحياً على الإسلام، وجعلوا موقعة بلاط الشهداء من المواقع العالمية الحاسمة في التاريخ، وقد تمحور حولها الصراع العقائدي والعسكري بين الغرب والشرق وأصبح شارل مارتل بطلاً قومياً.

الخلافات الداخلية

كان المسلمون في تلك الفترة قد أنهكت قواهم الخلافات الداخلية والفتن السياسية وحرب القبائل، ولم يكن هناك من سبب يدعوهم إلى التوقف عن الجهاد، لأن الدلائل تشير إلى أن القوة الإسلامية في بلاد المشرق، وبلاد المغرب والأندلس في تلك الفترة وصلت ذروتها وعظمتها ومجدها، وأن كثيراً من المسلمين يتوقون للجهاد، وخاصة إذا ما استؤصل ذلك الداء الفئوي القبلي العضال، من المجتمع الإسلامي، الذي أرهقهم. ولو وجّهت امكاناتهم البشرية، والاقتصادية توجيهاً صحيحاً، لكان للإسلام شأن كبير في بلاد الفرنجة خاصة والقارة الأوروبية على وجه العموم. يؤيد هذا الرأي ما قاله أحد الغربيين: إن بواتييه أنقذت آباءنا الإنجليز، وجيراننا الفرنسيين من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وأخّرت استعباد القسطنطينية، وشدت أزر المسيحية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والفشل.

فالرعيل الأول من المسلمين، لم يكن هدفهم سوى الانسجام والأخوة والتآلف، ونشر الإسلام ومدّ رقعته، مهما كلفهم ذلك من عناء وتضحيات وما أصابهم من هزائم ونكسات في ساحة الوغى، وخاصة في بلاد المغرب التي استغرق الفتح فيها أكثر من سبعين سنة. فعلى الرغم مما لقوا من هزائم على أيدي كل من كسيلة والكاهنة، إلا أن ذلك لم يزدهم إلا إصراراً وتحدياً وعزيمة، حتى أضحت بلاد المغرب والأندلس جميعاً داراً جديدة للإسلام.

عبدالملك بن قطن

وبعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي تولى عبد الملك بن قطن شؤون الأندلس فاتجهت جهوده هو الآخر للجهاد خاصة في المرحلة الأولى من ولايته. فقد اتجه إلى إقليم: كتالونية وأراجون ونيرة ثم دخل منطقة لانجدوك دخول المنتصر، وقام بتحصين المدن التي تمكن من الاستيلاء عليها، كما أصدر أمراً ليوسف الفهري حاكم مدينة أربونة في ذلك الوقت باجتياز نهر الرون بقوة عسكرية لمؤازرته، فاستطاع يوسف أن يفتح مدينة آرل بدون قتال، ثم واصل زحفه إلى إقليم بروفانس وحاصر مدينة أفينيون (ََُهىء) ووصل إلى الصخور التي بنى عليها الباباوات قصرهم المعروف عند العرب باسم صخرة أفينيون والظاهر أن عبد الملك، قد تعب من هذه الحروب ورضي بما توصل إليه من فوز، فقرر العودة إلى جبال البرتات (البرنيه) لإخضاع الثائرين فيها، مما تسبب في هزيمته.

وكان عبد الملك بن قطن - وهو أحد غلاة القيسية - قد استعمل القسوة مع خصومه اليمنية مما جعلهم ينقلبون ضدّه، وهذا ما حمل عبيد الله بن الحبحاب والي بلاد المغرب على عزله، وتعيين أحد أعوانه وهو عقبة بن الحجاج السلولي سنة 116ه/ 734م بدلاً منه.

استهل عقبة عمله بالقبض على عبد الملك وسجنه، وقام بطرد جماعة من أنصاره ومؤيديه إلى بلاد المغرب، كما نفى جماعة أخرى من الحجازيين الأندلسيين الذين كانت لهم يد في اضطراب الأندلس وعدم استقرارها.