يحاول الطبيب مايك جروكوت الضغط على دواسة الدراجة وهو على ارتفاع 7950 متراً ليحصل على شيء من الدفء، لكن البرد القارس الذي يخيم على المكان لا يساعده كثيراً على القيام بتمريناته اليومية، علماً بأنه مزود بقناع يوفر له الأوكسجين وجسمه مغطى بمجسات حساسة لتقيس معدل نبضات قلبه . والسؤال: ما الذي دفع هذا الطبيب المتخصص في التخدير في معهد الطب واللياقة البشرية التابع لكلية لندن الجامعة، إلى هذا التمرين القاسي المجهد للجسم فوق أعلى قمة في العالم حيث يقل الضغط والأوكسجين معاً؟

جروكوت هو واحد من الفريق الطبي المكون من مائتي طبيب متطوع قاموا في 2007 بالصعود إلى قمة ايفرست بجبال الهيمالايا لدراسة مدى تأقلم الجسم البشري مع حالة نقص الأوكسجين . والمعروف أن كل الذين يتسلقون الجبال اختبروا حالة نقص الأوكسجين ويعلمون تماماً أنه كلما صعد الانسان نحو الأعلى كلما قل الضغط ونقص الأوكسجين بمعدل الثلثين مقارنة مع مستواه عند سطح البحر .

ونتيجة لذلك فإن كمية الأوكسجين التي تصل إلى الرئتين والدم والأعضاء تصبح قليلة الأمر الذي يؤثر سلبياً في الجسم برمته، وهذا ما يطلق عليه الأطباء حالة نقص التأكسج أو عوز الأوكسجين .

ويشير الأطباء إلى أنه ما أن يصل الانسان إلى ارتفاع 2000 متر حتى يبدأ الشعور بهذه الحالة ولكن بدرجة خفيفة .

ولوحظ أن ما بين 10 15% من هواة التنزه في الجبال يشعرون بأوجاع في الرأس وغثيان وفقد الشهية وهذا ما يسمى بدوار الجبال الحاد .

ويصيب هذا الدوار نصف المتسلقين للجبال على ارتفاعات تترواح بين 3000 4000 متر في حين تصل النسبة إلى أكثر من 75% عند هواة التسلق الذين يصلون إلى ارتفاعات تتراوح بين 4000 5000 متر .

وإذا كانت الأعراض الأولى لا تؤخذ على محمل الجد عند بعض المتسلقين، إلاّ أن بعض التعقيدات اللاحقة يمكن أن تظهر على هذه الفئة من الناس كالشعور بصعوبة في التنفس والتعرض لحالات التقيؤ والأرق وفقدان التوازن واضطرابات في السلوك .

وعند بلوغ هذه الحالة، يجب على المستقلين النزول على الفور وإلاّ عرضوا أنفسهم لحالة الاستسقاء أو لتورم في الرئتين جراء تجمع كميات من الماء فيها، إضافة إلى مرض الوذمة الدماغية أي تجمع المياه في الفجوات الخلوية للدماغ وذلك في المادة الرمادية والبيضاء .

ومن حسن الحظ أن جسم الانسان قادر على اكتشاف النقص في الأوكسجين عندما يتعرض لهذه الحالة حيث يزداد معدل ضخ الدم من القلب جراء تسارع عملية التنفس ليصل الأوكسجين إلى الدم بأكبر كمية ممكنة .

وما أن تمر بضعة أسابيع حتى يتأقلم الجسم على هذه الحالة حيث لوحظ أن متسلقي الجبال يضبطون عملية التنفس بشكل أفضل وتقوم أجسامهم بانتاج كميات اضافية من الكريات الحمر لتسهيل وصول الأوكسجين إلى المكان المطلوب .

ويشير الباحثون إلى أن الذين يولدون بالقرب من السواحل في المناطق الجبلية لا يتأقلمون مع هذه الحالة بنفس الطريقة، فسكان جبال الانديز والهيمالايا الذين يعيشون على ارتفاعات تزيد على 4000 متر لديهم قدرة أكبر على التنفس من سكان السواحل على الرغم من أن هذه الحالات تتفاوت بين شخص وآخر حتى لو كان يعيش في الارتفاعات الشاهقة .

ومن الواضح أن الدكتور مايك جروكوت وزملاءه أرادوا من خلال هذه الاختلافات في عملية التأقلم على استنشاق الأوكسجين أن يفهموا آلية عملها بمعنى أنه هل يمكن تفسيرها عن طريق وجود قدرة عالية على نقل القليل من الأوكسجين المتوفر أم أن الاختلافات في عملية التأقلم تعود لأسباب خلوية أو جينية على حد اعتقادهم؟

ولمعرفة حقيقة الأمر، وضع جروكوت نفسه في حقل التجارب وبدأت التجربة في مرسيليا بفرنسا عام ،1997 إذ كان غير ضروري بلوغ قمة ايفرست لدراسة حالة نقص الأوكسجين، بل كان يمكن اجراؤها عن طريق المحاكاة . لذا عاش سبعة أطباء لمدة 40 يوماً داخل مقصورة مجهزة على أن يتم خفض الضغط داخلها بشكل تدريجي ليشعروا بأنهم بالفعل يعيشون حالة صعود قمة ايفرست على ارتفاع 8848 متراً .

ووجد الأطباء أن الانغلاق داخل مقصورة لعدة أسابيع كان أمراً غير مجدٍ إذ كيف يمكن إجراء تجربة مهمة بهذا العدد من الأشخاص وداخل مقصورة لا تتعدى مساحتها بضع عشرات من الأمتار المربعة؟

ومن هنا جاءت فكرة القيام ببعثة حقيقية إلى جبال الهيمالايا . وفي هذا الصدد يقول الدكتور جروكوت اتخذنا القرار للقيام بهذه المغامرة في مقهى باريس خلال انعقاد المؤتمر العالمي الثالث عشر للتخدير في إبريل/ نيسان 2004 . وبالفعل تم إنشاء مخيم كودويل اكستريم ايفرست بعد 3 سنوات من ظهور الفكرة، على ارتفاع 5300 متر أي عند سفح الجبل الجليدي خوميو الموجود في جنوب قمة ايفرست .

وتم تجهيز المخيم بمختبرين يحويان أهم ما توصلت إليه التكنولوجيا في مجال الطب التنفسي كما جهزت الخيام بمعدات طبية أخرى وأجهزة اتصال ووسائل سماعية ومرئية . وحوت الخيام الأربع والعشرون بقية المشاركين المتطوعين الذين بلغ عددهم مائتي متطوع وذلك على مدى 3 أشهر . وكان من بين هؤلاء أطباء وأطباء تخدير وإنعاش وطلاب . وحوى البرنامج تمرينات يومية باستخدام الدراجة الهوائية الثابتة من أجل تقييم اللياقة البدنية للمتطوعين وقياس نبضات قلوبهم باستخدام الراسم الكهربائي بالإضافة إلى صور اشعاعية لمعرفة مقدار تدفق الدم عبر الدماغ والعين والعضلات بغية معرفة كمية الأوكسجين الواردة إلى هذه الأعضاء مع أخذ عينات من دم المتطوعين بشكل دوري وعينات من العضلات لمعرفة مقدار الاجهاد التي تكابده هذه العضلات .

منطقة الموت

حقق الأطباء درجة عالية من اللياقة، ففي ليلة 23 24 مايو/ أيار ،2007 انطلق جروكوت وسبعة من المتسلقين المهرة من المخيم الرابع ووصلوا إلى ارتفاع 7950 متراً أي لم يبق لهم لبلوغ قمة ايفرست سوى 898 متراً .

ويطلق الأطباء على القمة منطقة الموت، فعند هذا المكان يصبح الأوكسجين نادراً تقريباً . وبعد 12 ساعة بلغ هؤلاء القمة وخلعوا عن وجوههم أقنعة الأوكسجين ليستنشقوا على مدى عشرين دقيقة الهواء الفقير بالأوكسجين في هذه الجبال الاسطورية .

ولم يكن من السهل التنفس في مكان تصل فيه الحرارة إلى 24 درجة تحت الصفر، حيث يتوجب على الانسان أن يضاعف تنفسه حوالى ثماني مرات مما هو عليه عند مستوى سطح البحر .

عند هذا الارتفاع تصل سرعة الرياح إلى أكثر من 40 كيلومتراً في الساعة، ولذا كان على المتطوعين النزول 400 متر لتثبيت الخيمة والمختبر .

وأخذت من المتطوعين عينات من دمهم من شريان الفخذين حيث يصل الدم من هذه المنطقة إلى الأعضاء السفلى من الجسم وهو محمل بالأوكسجين .

ويقول جروكوت اندهشنا عندما لاحظنا أن الدم الخارج من هذه المنطقة ليس أحمر بل أزرق تقريباً أي انه قليل الأوكسجين .

وأخذت العينات الدموية لتحلل في المخيم الثاني على ارتفاع 6400 متر وهناك ظهرت نتائج مذهلة، إذ تبين أن الأوكسجين الذائب في الدم الشرياني يكون طبيعياً عند ضغط جوي يتراوح بين 90 110ملم زئبق، لكنه عند المتسلقين الذين بلغوا قمة ايفرست هبط إلى 26 ملم زئبق ما يعني أن مستوى الأوكسجين في الدم بلغ أقل مستوى له عند أشخاص أصحاء . ومن المعروف أن بلوغ هذا المعدل من الأوكسجين عند أي مريض يمكن أن يقوده إلى قسم الانعاش بالأوكسجين، لكن الذين قهروا قمة ايفرست لم يشعروا بأي اضطراب في صحتهم وكأن اجسامهم بعد 3 أشهر عند هذا الارتفاع اكتفت بالقليل من هذا الأوكسجين .

وتشير النتائج الأولى لهذه الدراسة التي نشرت مؤخراً أن ثمة فائدة كبيرة يمكن أن يجنيها الباحثون في مجال البحث العيادي خاصة أن المشاركين في البعثة من أطباء وأطباء تخدير وإنعاش يقابلون يومياً مرضى يعانون من نقص في التنفس بسبب مشاكل رئوية وقلبية أو نتيجة للتعرض إلى رضوض واصابات خطيرة . ولمعالجة هؤلاء يلجأ الأطباء عادة إلى مدهم بالأوكسجين عن طريق القناع أو جهاز تنفسي اصطناعي .

ويشير الدكتور دانييل مارثان إلى أنه عند هيمنة المرض على المريض، فإن منحه كمية إضافية من الأوكسجين ورفع عدد الكريات الحمر لا يفيدانه بالضرورة من الناحية الاكلينيكية .

ويجري جروكوت مقارنة بين هؤلاء المرضى وتجربته في قمة ايفرست، ولذا يرى أن بعض متسلقي الجبال المتعودين على حالة النقص في الأوكسجين، يستهلكون كمية أقل من الموجودة في زجاجة التنفس مقارنة مع ما يستهلكونه عند مستوى سطح البحر ولو استخدموا نفس الزجاجة .

ويؤكد الباحث أن الجسم يتأقلم مع هذه الحالة عن طريق خفض استهلاك الأوكسجين، كما يعتقد أن الخلايا نفسها تخفض من اعتمادها عليه لإنقاذ الجسم من موت محقق . ويحاول الفريق العلمي الآن متابعة هذه الدراسة لانتاج عقاقير تناسب الأشخاص الذي يعانون من نقص في التنفس، ولكن لمتابعة الأبحاث يحضر هذا الفريق لبعثة ثانية إلى قمة ايفرست في ربيع 2012 .