تحقيق: زكية كردي

«عازفة الأمل»، «حنين الكلمات»، «أوراق الخريف»، «القلب الحزين»، والقائمة تطول.. كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تعرف هذه الأسماء خلال رحلتها في عالم الواقع الافتراضي، ربما يجيبون عنها بابتسامة ساخرة، أو ربما يخطر لهم أن هناك عائقاً اجتماعياً منع صاحبة الحساب عادة من التعامل بشخصيته الحقيقية، فاحترموا الأمر، أو ربما بادرتهم المخاوف التي تحيط بكل مجهول يتسلسل إلى عالمهم. فهل يرحب المجتمع الإلكتروني بهذا التخفي، أم يتخوف منه؟ هذا ما نعرفه من خلال التحقيق التالي..
خلقت لنا مواقع التواصل الاجتماعي كثيراً من الأصدقاء الذين لا نعرف صور وجوههم، بحسب ما يوضحه علاء صباغ، موظف. وعلى الرغم من هذا، فإنه لا يرى مشكلة في قبول طلبات صداقة تلك الأسماء المبهمة، ويقول: «أجرب قبول الصداقة، إن كان صاحب الطلب محترماً نستمر في هذه الصداقة، أما إذا بدر منه أي تصرف يسيء فالحذف متاح في كل وقت».
الأمر مختلف مع خالد عباس، مدير قسم في أحد المتاجر، فأي طلب صداقة لا يعرف صاحبه يلغيه على الفور دون تردد. وعن السبب، يقول: «لا أحب التعامل مع أناس غامضين لا يصرحون عن أنفسهم، وبطبيعتي أحب الوضوح في كل شيء».
ويوافقه حابس القطامين، مدرس، الذي يرفض قبول أي طلب صداقة إذا لم يعرف من صاحبها. ويقول: «لن أقبل أحداً إذا لم أعرف اسمه الحقيقي، وجنسه الحقيقي، أو صورته الحقيقية، وقبل أن أتفحص كتاباته، ومنشوراته، وتعليقاته، وإن تبينت أن صداقته لا تناسبني، لا يمكن أن أقبل، فخيار الحذف موجود».
«إذا كان الاسم وهمياً فالشخصية هي أيضاً وهمية»، بحسب إبراهيم طشيش. الذي يضيف: «لا أحب التعامل مع أشخاص مجهولين، ولا أنصح أحداً بهذا، فلا نعرف ما قد يصدر عنهم، وإذا كانت الأسماء غير حقيقية فهذا يعني أن ذلك الشخص غير موجود».
تغريد صويري، طالبة جامعية، ترى أن الوضوح أسلم طريق، وتبدي حذرها أثناء التعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص، وتقول: «أعتقد أن كل شخص يختبئ خلف اسم وهمي فهو شخص غامض، ويستخدم أسلوب التخفي والتحايل في الحياة، وأنا لا أحب التعامل مع هؤلاء الأشخاص عموماً».
ويستدعي الغموض مشاعر الخطر لدى طرفة السباعي، مديرة علامة تجارية، فهي ترى أن هؤلاء الأشخاص الذين يخفون أسماءهم الحقيقية، وصورهم، وهوياتهم أشخاص ملغومون ومستفزون، وترى أنه يجب ألا نقبل التعامل معهم، بينما تميز حنين المصري، طالبة ، بعض أصحاب الأسماء الوهمية، فتتروى في رفضها، وتقول: «لو كنت أعرف صاحب هذا الاسم الوهمي أقبل الصداقة، لكن إن كنت أجهله فإني أرفضها على الفور»، في حين أن محمود حسن، مدير فريق تطوعي، لا يبالي بأي اسم، معتبراً أن صفحته صفحة عامة، ولهذا يتركهم معلقين دون قبول أو رفض، و لا بأس بمتابعتهم لصفحته.
ويتجاهل عمر إبراهيم، الأسماء التي لا يعرفها، والأشخاص الذين لا يعرفهم حتى لو كانت لهم أسماء غير وهمية. وعن الاسم الوهمي الذي يستخدمه على موقع فيس بوك، يقول: «صحيح أني أستخدم اسماً وهمياً، لكني لا أرسل لأي شخص طلب صداقة دون أن أعرف عن نفسي، ودون أن تكون بيننا معرفة في الواقع»، وعن سبب لجوئه إلى استخدام اسم وهمي يوضح بأنه كان يستخدم اسمه الصريح في السابق، إلا أنه أصبح يشعر بالحرج، وبأنه مضطر لمجاملة البعض، مع أنه لا يرغب بقبول صداقتهم، أو تجسسهم على حياته من خلال الموقع، ولهذا لجأ إلى هذه الحيلة ليتخفى، ويتواصل فقط مع الناس الذين يريد التواصل معهم.
يوافقه الرأي محمد أسامة، موظف إداري، فهو لا يحب أن يكون متشدداً في هذه المسألة، فهو يراعي أن كثيراً من الفتيات والنساء يفضلن التعامل مع وسائل التواصل كوسيلة للتسلية دون أن يعرفن عن أسمائهن الحقيقية، أو يعرضن صورهن، وهذا عائد إلى حرص كثير من العائلات في بلادنا العربية على المرأة، والتحفظ في كل ما يخصها، ويضيف أنهم أحياناً يكونون محقين في هذا، فمواقع التواصل ليست عالماً مثالياً، ولا يلوم النساء الحذرات في التعامل مع صفحاتهن الشخصية.
الأسباب تعود إلى أبعد من هذا برأي، رواد دبوس، موظف في شركة دراسات تسويقية، فهو يرى أن ظاهرة الأسماء الوهمية تعبر حقاً عن حب الناس للاختباء وراء الأقنعة، ومع هذا يدعو إلى قبول طلبات الصداقة من هذا النوع. وعن هذا التناقض في الموقف، يقول: «أنا أدعو الناس إلى التحرر، وتقبل الآخر مهما كان مختلفاً، وأعتقد بأن تواصلنا معهم يساهم في الحد من هذه العقد المترسخة في مجتمعاتنا منذ القدم».
الاسم المستعار يتحول إلى صديق وفي على مواقع التواصل، حسب عبدالرحمن محمد، الذي يستخدم اسماً وهمياً عليها، ويرى أنه لا ضرر من قبول طلب الصداقة، فللبعض ظروف تمنعهم من وضع أسمائهم الحقيقية منعاً للحرج، كحاله مثلاً، فهو يستخدم اسماً مستعاراً منذ سنوات، اعتاده جميع الأصدقاء، واعتاده هو أيضاً. يقول: «أطلقت على نفسي اسم النادي الرياضي الذي أحبه، وأعرف الأصدقاء الذين أتوجه إليهم بطلبات الصداقة بنفسي، فالاسم المستعار يحمل ميزة، فهو يجعلنا متحكمين بموقعنا، فنحدد الأصدقاء الذين نريدهم، ونحدد من نرغب في التعامل معهم، دون أن نكون مضطرين لقبول صداقات أناس لا نرغب بهم».
أما مشهور المشهور، موظف مبيعات، فيرى أنه لا داعي للتفكير، أو إتاحة الفرصة لهذه الظاهرة بالتمدد، بل علينا جميعاً الوقوف في وجه هؤلاء المتخفين. وعن نفسه يقول: «أنا لا أكتفي برفض طلب الصداقة، بل أبلغ عنهم أيضاً، لأني أرى أن هؤلاء يشكلون خطراً على المجتمع، ودائماً أرجح أنهم متطفلون، وأشخاص سيئون يحملون معهم كل الاحتمالات السيئة التي تدور في الذهن عند رؤية أسمائهم».
ويوافقه الرأي محمد حلمي العم، مهندس، فهو أولاً يرفض الطلب، ثم يتفحص صفحة صاحب الاسم الوهمي ليستشف هويته، ويقول: «أجد معظمهم يروج إلى صور خارجة أو قيم فاسدة أو أفكار متطرفة، فأبلغ عنهم على الفور، ثم أحظرهم»، ويرى أن ذلك التصرف واجب اجتماعي وأخلاقي، و يجب عدم السماح لمثل هؤلاء بالتمدد والانتشار.

«أشباح فيسبوكية»

هناك من يتعرض إلى مواقف مؤذية بسبب تساهله في التعامل مع هذه «الأشباح الفيس بوكية»، كما تسميها الطالبة الجامعية نور محمد، فهي كانت تعتقد في السابق أنه لا ضرر من الموافقة على هذه الصداقات، طالما أن خيار الحظر موجود في كل وقت، إضافة إلى شعورها بالفضول تجاه هؤلاء الأشخاص، لكنها وجدت نفسها متورطة مرة في حوار مع فتاة كما كانت تدعي، تسأل عن تفاصيل حياتها الخاصة وعن منزلها، وتقول: «حقاً شعرت بالخوف حينها، وتملكني الشك، لكني لم أعد أشعر بالفضول أو الرغبة في التعرف إلى الهوية الحقيقية للفتاة التي تحدثني، فحذفتها على الفور وأبلغت عنها».

أسباب ودوافع

عن الأسباب التي تدفع الناس إلى استخدام أسماء وشخصيات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي يوضح د. نادر ياغي، المستشار في البرمجة اللغوية والعصبية والطب النفسي، قائلاً: «يمكننا تصنيف هؤلاء إلى عدة فئات، منها ما تدفعهم الظروف للتصرف على هذا النحو وهي قليلة جداً، فالبعض يلجأ إلى استخدام اسم مستعار لأسباب خاصة، كأن يكون قريباً لشخصية عامة ومعروفة على سبيل المثال، فيتجنب التعرض للمشاكل، أو ربط اسمه وممارساته على مواقع التواصل بقريبه المشهور، أو يكن نساءً تمنعهن المعتقدات الاجتماعية في المجتمعات التي يعشن فيها من وضع أسمائهن، وأسماء عائلاتهن، لكنهن يرغبن في التواصل عبر هذه المواقع، فيلجأن إلى هذه الحيلة، أما الفئات الأخرى فهي مرضية بشكل واضح».
ويضيف: «من ضمن أولئك الشخصيات المرضية، من يلجأن إلى هذه الحيلة لمراقبة وفاء زوجهن، ونسبتهن كثيرة للأسف، على عكس الرجال الذين لا يملكون سعة الصدر لمثل هذه الحيل، وتعتبر هذه الحالة مرضية طبعاً، أما الفئة الأهم فهي تلك التي تسعى إلى النصب، المالي والعاطفي، وهنا نتحدث عن الذكور بنسبة أكبر، أما عن النصب المالي فغالباً ما تختفي هذه الأسماء خلال بضعة أيام فقط، بسبب كثرة البلاغات، وأعتقد أن كثيراً من الناس مروا بتجارب مشابهة». ويتابع: «الخوف بالدرجة الأولى على المراهقين الذين يشكلون النسبة الأكبر على مواقع التواصل، وهؤلاء يُخشى عليهم من الاستغلال، ولا شك أن البالغين يتعرضون لمثل هذه الأمور، لكنهم أقدر على ضبط أنفسهم ومعالجة الأمر، إلا أن المشكلة تنحصر بشكل أكبر لدى المراهقات لقلة خبرتهن في التعامل مع المجهول، حيث يوجههن الفضول في هذا المنحى وهذا يجعلهن عرضة للاستغلال».