قال تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد، ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز. (إبراهيم 18 20).
بينت الآيات السابقة شيئاً مما يلاقيه الكافر من صنوف العذاب الشديد في جهنم والعياذ بالله، وفي الآية الأولى هنا يأتي التمثيل بأعمال الكفار في أعقاب التذكير بسوء مصيرهم وتعداد بعض صنوف عذابهم يوم القيامة. ففي الآية مَثَلٌ ضربه الله تعالى لبيان عدم انتفاع الكفار في الآخرة بأعمال البر التي كانوا يعملونها كإغاثة الملهوف، وإكرام الضيوف، وإطعام الفقراء، وعتق الرقاب، ورفادة الحجيج، وذلك لأنها فقدت أهم شروط قبولها وهو الإيمان بالله تعالى، فتلك الأعمال بنيت على أساس غير صحيح، لذا فهم لا ينتفعون بها يوم القيامة.
ريح العذاب
وقد شبهت تلك الأعمال التي يرجون نفعها ولا يجدون لها أثراً ولا نفعاً في الآخرة برماد تأتي عليه ريح عاصفة شديدة الهبوب. والمثل هو الحالة العجيبة أو الصفة الغريبة، وهو يُضرب للتوضيح والإبانة.
قوله مثل الذين مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وقال الفراء: التقدير: مثل الذين كفروا، بحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه. وقيل: (مثل) مبتدأ، خبره (أعمالهم كرماد) على أن معناه الصفة، فكأنه قال: صفتهم العجيبة أعمالهم كرماد، وقوله (أعمالهم) أي التي يرجون بها نفعاً أو خيراً في قلة انتفاعهم بها (كرماد اشتدت به الريح) والرماد: ما يبقى من احتراق الحطب والفحم.
تأمل سر إيثار الرماد (المشبه به) على التراب، حيث لم يقل مثلاً: أعمالهم كتراب، والسر في ذلك الإشارة إلى عدم الانتفاع بها في الآخرة، فالرماد لا فائدة منه، أما التراب ففيه كثير من الفوائد، لذا أوثر اللفظ الذي يدل على عدم الانتفاع منه، فقيل (رماد). والتنكير في (رماد) للتحقير. ووُصفَ الرماد بجملة اشتدت به الريح، وتأمل صورة الريح هنا تجدها صورة فيها ريح توشك أن تدمر، فللريح ثورة وغضب بحيث تبث الهول، وتنشر الرعب، فالريح هنا ليست هادئة ووديعة تُبشِّر بالخير والرزق ولكنها ريح شديدة الهبوب، سريعة الحركة لا خير فيها. ونريد في هذا السياق أن نشير إلى الاستعمال القرآني لكلمة (الريح) مفردة وجمعاً، ومن خلال تتبع مواضع إفراد الريح وجمعها في القرآن الكريم نجد أنها تفرد في مواطن العذاب، غالباً وتجمع في مواطن الرحمة.
ومن شواهد استخدامها مفردة ما ورد في قوله تعالى: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صِر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته (آل عمران 117).
أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم (الإسراء 69)
ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (الحج 31)
بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (الأحقاف 24)
ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون (الروم 51)
إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً (الأحزاب 9)
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره (الشورى 33)
اقرأ تلك الآيات الكريمة مرة ثانية، وتدبر سياقها تجد أن الريح فيها جاءت مفردة في مقام العذاب أو الشر أو الإهلاك. ومن شواهد استخدام الريح مفردة في مجال الخير قوله تعالى: وجرين بهم بريح طيبة (يونس 22)
ولكننا نلحظ أنها لم تأت مطلقة بل قيدت بالوصف طيبة، ليكون بمثابة الاحتراس من أن تكون ريحاً مهلكة كأغلب استعمالاتها مفردة.
ومن شواهد استعمال الريح جمعاً ما ورد في قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بُشرا بين يدي رحمته (الأعراف 57)
وأرسلنا الرياح لواقع فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (الحجر 22)
ومن يرسل الرياح بُشْرا بين يدي رحمته (النمل 63)
ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات (الروم 46)
والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً (فاطر 9)
واضح أن الرياح هنا جاءت في سياقات تدل على الخير والمنفعة، ولكن يبقى سؤال مهم جداً، وهو: لماذا جاءت الريح في جانب العذاب مفردة؟ ولماذا أوردت جمعاً في جانب الخير؟ والجواب أن ريح العذاب لما كانت شديدة مدمرة لا تهدأ ولا تنقطع، وكانت ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد جاءت مفردة، أما رياح الرحمة فلأنها لينة متقطعة، متعدد هبوبها، تثور أحياناً لتحمل معها السحاب المملوء بالغيث، وتهدأ أحياناً لتسمح بسقوط الأمطار، فكان تعدد هبوبها بمثابة رياح متعددة تبشر بالخير والرحمة. والله أعلم.
صورة محسوسة
ونعود إلى جملة الصفة في الآية اشتدت به الريح فالمعنى: أن الريح حملت هذا الرماد وأسرعت الذهاب به، واشتدت مشتقة من الشدّ بمعنى العدو، كقولهم: شَدّ عليه بمعنى: عدا عليه وغلبه. والباء للتعدية أو للملابسة، واعتبارها للملابسة أولى لأنها أدل على الملازمة. ويجوز أن تكون اشتدت مشتقة من الشدة بمعنى القوة أي قويت بملابسة حمله. وهذا المعنى هو الأظهر، لدلالته على شدة أثر الرياح على الرماد وتبديده. وقوله تعالى: في يوم عاصف حال من (الريح). والعصف: اشتداد الريح. والمعنى: في يوم عاصفة ريحه، أو عاصف الريح، فحذف (الريح) لتقدم ذكرها. وفي وصف اليوم بأنه عاصف مجاز عقلي بعلاقة الزمانية حيث أطلق الزمان اليوم وأريد ما يقع فيه. وبلاغة هذا المجاز في دلالته على المبالغة في استغراق عصف الرياح لليوم كله، حتى كأنه هو الذي اتصف بالعصف وليس غيره، وكأنه الزمان اليوم يشارك في الفعل وصنعه وقوله تعالى: لا يقدرون مما كسبوا على شيء.
بيان لجملة التشبيه، والمعنى: أنهم لا ينتفعون يوم القيامة أو لا يجدون أثراً لأعمال الخير التي عملوها، فلا يخفف عنهم بها عذاب، ولا ينجون من دخول النار.
وهكذا رأينا في هذا التشبيه التمثيلي المركب كيف عُبِّر بالصورة المحسوسة المشاهدة عن المعنى الذهني المجرد وهو حبوط أعمال الكافرين وعدم انتفاعهم بها، وذهابها هباء منثورا، فإذا به يتحول إلى صورة شاخصة تلعب الحركة فيها دوراً أساسياً ومؤثراً.
فها هي ذي أعمالهم المُحْبطة تبدو في عدم الانتفاع بها يوم القيامة كرماد تثيره الريح العاصف فتتفرق أجزاؤه، ويتبدد ولا يجد مستقراً، وهذا الرماد الموصوف بالتبدد والتفرق بفعل الريح الشديدة تُشبه به تلك الأعمال من وجوه الخير والبر التي أبطلها الكفر، وأحبطها عدم الإيمان بحيث لا يبقى من أعمالهم معه أثر ولا نفع، كما قال تعالى في آيات أخرى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (الفرقان 23)
مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صِرٌّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (آل عمران 117)
وأريد الوقوف ثانية أمام تصوير أعمال الكافرين وتشبيهها بالرماد بما فيه من دلالة على قلة شأنها وعدم جدواها. والرماد عنصر يمثل البيئة الطبيعية المألوفة لدى الإنسان والمكشوفة أمامه، فالتمثيل بالرماد إذن في قمة الإبداع والتأثير، لانسجامه مع الغرض وإبرازه للمضمون، وتأكيد المراد في النفس، وبالتالي يتحقق غرض التهديد والزجر والوعيد للكافرين من خلال الواقع المادي الملموس في أسلوب مُصَوَّر موح. وهذا ينطق المثل القرآني بأبلغ موعظة تتغلغل إلى القلوب اليقظة وتتسرب إلى الأفئدة الواعية وتذكرها بعواقب الشرك والجحود والكفر.
الضلال البعيد
ويأتي في أعقاب هذا التمثيل الرائع ما يشير إلى تلك العواقب التي تحيق بالكافرين، فيجيء التذييل ذلك هو الضلال البعيد أي ذلك الأمر الشديد الشناعة والبعيد كل البعد عن جادة الحق والصواب. ووصف الضلال بالبعيد مجاز عقلي؛ لأن الذي يوصف بذلك هو الضال، وسر المجاز هنا المبالغة في إثبات ضلال الكفار. ولا يفوتني أن أشير إلى سر تقديم (بما كسبوا) على (شيء) في قوله تعالى: لا يقدرون مما كسبوا على شيء، وذلك للاهتمام بما كسبوه فهم كانوا يحسبونه شيئاً من المكارم، والأعمال الصالحة، فلا يجدونه شيئاً، وذلك لأنه فقد شرطي القبول وهما الإيمان والاخلاص. إذن قدم الكسب في الآية لأنه أي الكسب المراد به العمل هو المقصود بالذكر، ولذلك أشار إليه بقوله تعالى: ذلك هو الضلال البعيد.
ويعقب هذا المثل قوله تعالى: ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز فبعدما ذكر سبحانه جزاء الكفار في الآخرة، أردف ببيان قدرته سبحانه. والمعنى: ألم تعلم أن الله انشأ السموات والأرض وما فيهما بالحق والحكمة؟ فقد خلقهما على الوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقهما عليه، ليستدل بهما على كمال قدرته، وعدم الحاجة إلى أحد من خلقه. بل إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز. بل هو هيّن عليه يسير. وفي الآية تعريض بالكفار وإشارة إلى عظيم جُرْمهم بكفرهم بالله الواحد الخالق القادر القهار. والخطاب في قوله ألم تر لكل من يتأتى له الخطاب، أو الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته، وقيل: الخطاب لكل واحد من الكفرة لقوله تعالى إن يشأ يذهبكم. والرؤية في الآية قلبية أو قل: علمية والاستفهام في الآية للتقرير ولإثبات مفعول الرؤية، أي كون خلق السموات والأرض لله تعالى. وأكد الخبر، لأنه من الحقائق العظيمة. وقدم ذكر السموات على الأرض، (لما في خلقها ورفعها بلا عمد من آثار قدرة الله الباهرة). وأتبع الاستفهام بالجملة الشرطية إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد تنبيهاً على طريق التبصر والتفكير والاستدلال المنطقي؛ فإن من قدر على خلق تلك السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها وما فيها من الكواكب بغير عمد، وخلق هذه الأرض بما فيها من جبال وسهول ووديان وصحارى وبحار وأشجار ونبات وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وأولوانها لهو أقدر على إهلاك المخاطبين وخلق آخرين بَدَلَهم، ولذلك قال سبحانه وما ذلك أي إذهابكم والاتيان بخلق جديد مكانكم على الله بعزيز أي بمتعذر أو متعسر. وهذه الآية (بيان لإمعانهم الكفار في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة، وأنه سبحانه هو الحقيق بأنه يُعبد ويخاف عقابه، ويُرجى ثوابه في دار الجزاء.
بقي أن نشير إلى ان قوله تعالى يذهبكم كناية عن صفة وهي الإهلاك. وأخيراً ندعوه سبحانه أن يرزقنا الهداية وحسن الخاتمة. والحمد لله رب العالمين.
إفراد الريح وجمعها
من خلال تتبع مواضع إفراد الريح وجمعها في القرآن الكريم نجد أنها تفرد في مواطن العذاب غالباً، وتجمع في مواطن الرحمة.
ومن شواهد استخدامها مفردة ما ورد في قوله تعالى: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته (آل عمران 117) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم (الإسراء 69) ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (الحج 31).
ومن شواهد استعمال الريح جمعاً ما ورد في قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته (الأعراف 57) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (الحجر 22) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات (الروم 46).