الشارقة: غيث خوري

تحتل أعمال الفنان السويسري ألبرتو جياكوميتي (19011966)، مكانة خاصة في تاريخ الفن المعاصر عموماً، وفي تاريخ النحت خصوصاً، فلقد تركت شخوص جياكوميتي المنحوتة أثراً فريداً في طريقة صياغة العمل الفني، تلك الشخوص النحيلة المترددة والتي تظهر أطرافها كالخيوط المتدلية المتثاقلة، وكأنها تحمل ثقلاً وعبئاً عظيماً، كانت هي بصمته وإرثه الذي حمله ليكون أحد أشهر نحاتي القرن العشرين.
قضى جياكوميتي طفولته في مناطق جبلية قرب إيطاليا، وبدأ التصوير والنحت في وقت مبكر، وكان والده من أشهر رسامي المناظر في بلده، وهو جيوفاني جياكوميتي.

في عام 1919 انتسب إلى مدرسة الفنون والمهن في جنيف، وبين عامي 1920- 1921 قام برحلة للدراسة في إيطاليا، توقف خلالها طويلاً في البندقية، وأدهشته لوحات الفنان «تنتوريتو».
إلا أن ما استحوذ على اهتمام جياكوميتي كانت النقوش والزخارف القديمة وروائع الحضارات القديمة في الفن الفرعوني والسومري والبيزنطي والإفريقي والأزتيكي، إلى جانب الفن الأتروري الذي اكتشفه باكراً في متحف اللوفر، خلال الأبحاث التي قادها أثناء مرحلته السريالية وسعى فيها خلف حلول مركبة لاستحضار أشكال جديدة ترضي توجهاته الطليعية.
في بداياته اختبر جياكوميتي الأسلوب الانطباعي الجديد، من خلال منحوتات مثل «القروي» 1921، أو «بورتريه ذاتي» 1923، ولم يتح لجياكوميتي أن يقدم أثراً يلفت النظر، إلا بعد عام 1925؛ وذلك في تمثالين تجريديين، يؤلفان موضعاً واحداً، أعطاه عنوان «شخصيتان» وهما يمثلان شكلاً بيضوياً يوحي الأول بصورة وجه منسجم، لأحد القبائل البدائية، والثاني يمثل وجهاً مختبئاً وراء قناع، وقد لاحظ النقاد أن في أسلوب جياكوميتي أصالة فذة، ترجع إلى أنه استطاع أن يبعث في أشكال الفن البدائي، حركة صافية، وهو ما يؤكده قول جياكوميتي نفسه: «حتى العمل الفني الذي يبدو الأكثر حرية وثورية هو مرتبط بشكلٍ وثيق بلحظته التاريخية وبأعمال جميع الحقب التي تشكّل جزءاً من ماضيه».
انتقل بعد ذلك إلى تجربته التكعيبية والعمل للمرة الأولى من دون موديل، مرتكزاً على ذاكرته فقط، وخلال هذه السنوات سعى إلى خلق تشكيلاتٍ ذات طابع رمزي قادرة على التقاط الواقع بواسطة أشكالٍ تمّت تصفيتها إلى أبعد حد، كما في منحوتتي «امرأة معلقة» 19261927، و«امرأة ممدَّدة وحالمة» 1929.
ومنذ عام 1932 تحول إنتاج جياكوميتي إلى الرمز، بصورة نهائية، لكن لم يتخل عن التناسب بين عناصر النحت، لاسيما الأبعاد المختلفة، وأشهر آثاره في هذه المرحلة التي امتدت حتى عام 1934 تمثال «يد تمسك الفراغ» وتمثال «مخطط ساحة» ثم التمثال الرمزي المشهور «قصر في الساعة الرابعة صباحا» وهو بناء غريب تبدو في جدرانه الرمزية حركات حية، توحي بالتنقل والاستقرار في آن واحد.
وشهدت تجربة جياكوميتي في السنوات العشر بين عامي 19351945، مرحلة غنية بالتجارب الفنية؛ حيث عاد إلى النحت انطلاقاً من «الموديل». وفي هذه المرحلة، تضاءلت أحجام أعماله وأصبحت أصغر، وهو يصف هذه المرحلة في مذكراته فيقول: «كنت أبحث خلال هذه السنوات العشر، عن رؤية شاملة لحقيقة الأشياء في العالم، وفي كل خطوة كنت أعثر على الحركة، ولاشيء غير الحركة، كنت أرى الأشكال أشبه بالأصوات التي تنبعث في الفراغ، ولا تعرف السكون، ورأيت نفسي أتوجه دون أن أشعر، إلى الاختصار في كثافة الشكل وحجمه، من أجل الرشاقة التي يمكن أن يوحيها، أعني الرقة.. ومن ثم دخلت في نوع من التجريد لا أعرف له سبباً، إلا أنني أردت أن أثبت الأشكال المرئية، كما لو أنها ذكرى قديمة، أي إيقاع من المشاعر القديمة».

اعتمد جياكوميتي على مادّتَي البرونز والجصّ متعاملاً معهما بطريقة أعطتهما أبعاداً قلّما نجدها لدى النحاتين الآخرين، وبالنسبة إلى تعامله مع الجصّ، كتب جان بول سارتر قائلاً: «اختار جياكوميتي مادة لا وزن لها، مادة هي الأشدّ هشاشة وعرضة للتلف والأكثر شبهاً بالإنسان، لكنها ذات طابع روحاني وخالد»، والواقع أن جياكوميتي كان يبدأ صنع تماثيله من انفعال جامح، لكنه انفعال يحاول أن يجد له مأوى في مكان ما، وقد وصف جان بول سارتر هذه الناحية في آثار جياكوميتي بقوله: «إننا نثار أمام كل تمثال يقدمه هذا الفنان، لأنه يوقظ فينا شيئاً بدائياً عنيفاً، لا نفهمه في وضوح، لكننا نحب الاستسلام إليه؛ ولذلك فإننا نقترب من تماثيل جياكوميتي لا لكي نرى تفاصيلها أو نفهمها، بل لكي نجد فيها ملجأ مستقراً لهذا الشيء العنيف».

ويبقى أشهر أعمال جياكوميتي منحوتته «الرجل الذي يمشي»، والتي تصور رجلاً يمشي بخطوات عريضة ومتردّدة، ساقاه طويلتان وركبتاه تبدوان غير قابلتين للانثناء طريقة مشي الرجل تذكّر بشخص نجا للتوّ من كارثة إذ يبدو متجمّداً في منتصف خطوته الكبيرة والمتعثّرة، كأنما يريد أن يهرب من دائرة الفتك والدمار، لا يتقدّم على الإطلاق، إنه السير داخل الصمت المدوّي والقدر المحتوم؛ ذلك الشخص الطويل والنحيل مثل خيط يميل بجسده إلى الإمام وكأنه ينوء تحت حمل ثقيل وحركته تحوي بالسير والتوقف معاً.
وقد شهدت المرحلة الأخيرة من حياة جياكوميتي (19521966) تحوّلاً جديداً وأخيراً، فلم تلبث شخصياته المنحوتة أن تكبر تدريجياً وتأخذ حجماً أضخم، كما حملت علامات أصابعه وآثار سكّينه، كما تميزت أعماله الأخيرة، كالتماثيل النصفية التي خص بها جياكوميتي أخاه دييغو وزوجته آنيت وصديقه إيلي لوتار، بسطوحٍ غير منتظمة تعجّ بالأخاديد، تؤشر إلى تركيزه على أهمية الرؤية الفنية التي تحدد وحدها شروط أو سيرورة أي عملٍ فني.
لقد ارتبط جياكوميتي بصداقة عميقة مع عدد كبير الشعراء والأدباء، الذين بهرتهم تجربته وكتبوا عنه ومنهم «جان جينيه» و«جاك دوبان» و«إيف بونفوا»، وفي كتابه «الجرح السري.. مرسم ألبرتو جياكوميتي)» يقدم الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه، عبر حوارية مطولة مع جياكوميتي، رؤيته الأدبية اللامعة في إنتاج هذا النحات العبقري؛ حيث كان هذا الكتاب نتاج لفترة قضاها جينيه في مرسم صديقه جياكوميتي.
يرى جينيه أن لكل واحد جمالاً خاصاً به، وأصل هذا الجمال هو الجرح المتفرد، وأن هذا الجرح مختبئ ومكنون داخل كل إنسان، وهو يرى أن فن جياكوميتي هو اكتشاف هذا الجرح السري عند كل الكائنات وحتى في كل الأشياء لكي يضيئها، ففي لوحاته تتبدى أول ميزة وهي الكشف عن الجوهر الفريد وإبرازه في ثنايا الشخوص، سواء كانت هذه الشخوص جميلة أو مشوهة.
ويصف جينيه بتكثيف عال تجربة جياكوميتي قائلاً: «إن عمل ألبرتو جياكوميتي يجعلني أيضاً أجد عالمنا لا يحتمل أكثر من ذي قبل. ما دام يظهر أن هذا الفنان قد عرف كيف يزيح ما كان يضايق نظرته ليكتشف ما سيبقى من الإنسان عندما ستتنحى الأعذار الكاذبة، لكن ربما كان لابد أيضاً، بالنسبة لجياكوميتي، من هذا الشرط اللاإنساني المفروض علينا، حتى يصير حنينه على درجة من القوة تهبه القدرة لينجح في بحثه. ومهما يكن، فإن كل عمله يبدو لي، هو بحث لا يتناول الإنسان وحسب، بل يمتد أيضاً إلى أي شيء، وإلى أتفه الأشياء، وعندما نجح جياكوميتي في أن يفصل الشيء أو الكائن المختار عن أعذاره الكاذبة النفعية، فإن الصورة التي قدمها لنا جاءت رائعة».
توفي ألبرتو جياكوميتي عن سن 64 سنة، بتاريخ 11 يناير/كانون الثاني 1966، مخلفاً وراءه مجموعة من الأعمال الفنية العظيمة، وإرثاً فنياً عامراً بالتجريب والخصوصية والحساسية العالية، والتي لم تقتصر على النحت فقط، إنما امتدت لتشمل عالم التصوير والرسم؛ حيث تصف اللوحات التي أنجزها في مرحلة النضج بألوانٍ رمادية وبأسلوبه النحتي المعهود، عالماً طَيْفيّاً مجرّداً من الأوهام، أما محفوراته ورسومه المطبوعة فتعكس مهارات جياكوميتي العالية في ممارسة هاتين التقنيتين أيضاً.