د . عارف الشيخ
ذكرنا في المقال السابق أن الهدية والصدقة والعارية والهبة والعطية والوصية والرقبى والعمرى، ألفاظ متقاربة من بعضها في المعنى، وفي الوقت نفسه نجد الفرق بين هذا وذاك من وجه .
وفي هذا المقال نذكر بعض الأحكام المتعلقة بهذه الألفاظ، فالهدية بما أنها أحد أنواع الهبة، فإن للمهدي الرجوع في إهدائه قبل قبض المهدى له الهدية، وإذا قبضها لم يجز الرجوع فيها، إلا للأبوين فيما أهدياه لولدهما، كما هو عند المالكية والحنابلة والشافعية على المشهور، وحجتهم الحديث الوارد: "العائد في هبته كالعائد في قيئه"، (رواه البخاري) .
والقول الآخر يجيز للمهدي أو الواهب الرجوع في هديته أو هبته، وهذا هو مذهب الحنفية، واستدلوا بقوله تعالي: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها . ."، (الآية 86 من سورة النساء) والتحية هنا تفسر بالهدية، بدليل قوله تعالى: "أو ردوها" والرد لا يتصور إلا في الأعيان كالهدايا وليس في الأعراض كالتحية .
وهناك حديث آخر يقول: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها"، أي لم يصل إليه العوض .
وهناك مسألة أخرى وهي: إذا كان المرء يملك الهدية بالإهداء فهل يملك وعاءها أيضاً؟
يقول الحنفية: إذا كانت العادة قد جرت بأن يرد إناء الهدية فإنه لا يملك الوعاء بل يرده، وإذا قلنا بأنه يرده فإنه أمانة في يد المهدى إليه ويضمنه إذا تلف .
وعند المالكية وعاء الهدية يرد إلى المهدي، والشافعية والحنابلة قالوا مثل الأحناف أي أن المرجع هو العرف .
والوصية اشترط الفقهاء أن تكون لمن هو أهل للتملك كأن يكون حياً، وأجازوا الوصية للحمل إن كان موجوداً وقت الوصية .
وتصح الوصية لجهة عامة كبناء مسجد أو مدرسة بشرط أن تكون مباحة وليس كبيعة أو كنيسة، ولا تصح الوصية لوارث للموصي عند موته، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث"، إلا إذا أجاز بقية الورثة فجائز لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة"، (رواه الدارقطني)، وقد أخذ الجمهور بهذا الحديث .
والوصية على عكس الهبة، إذ يجوز للموصي الرجوع فيها، لأنها متعلقة بما بعد الموت، فطالما هو حي يجوز له أن يغير ويبدل ويلغي، وقد أخذ بهذا فقهاء المذاهب الأربعة .
هبة الأب أو الأم للأولاد في الحياة تسمى بالعطية، واتفق الجمهور على أن الأب أو الأم يستحب له أن يساوي بين الأولاد في العطايا، وحجتهم أن الصديق رضي الله تعالى عنه فضل عائشة على سائر أولاده في هبة، وفضل عمر رضي الله تعالى عنه ابنه عاصماً على غيره من الأولاد، وفي حديث النعمان بن بشير، يدل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فأشهد غيري على هذا"، (على الجواز) .
أما الحنابلة فذهبوا إلى وجوب التسوية وهي العدل بين الأولاد في العطايا، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبشير: "ألك ولد سوى هذا؟" قال: "نعم، قال: كلهم وهبت له مثل هذا؟"، قال: لا، قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" . (رواه البخاري) .
لكن أجاز الفقهاء التفضيل إذا كان لصلاح أو خدمة مثلاً .
وعن هدايا الزواج قال الحنفية بأنه إذا خطب رجل بنتاً ثم لم يتم الزواج، وكان قد بعث إليها بهدايا، فإن ما هو قائم يسترده، أما الهالك والمستهلك فلا .
والشافعية قالوا: من حق الخاطب أن يسترد ما أنفق سواء كان باقياً فيسترد عينه، أو مستهلكاً فيسترد بدله، سواء كان قبل العقد أو بعد العقد وقبل الدخول .
وبهذا قال الحنابلة، لأنه أنفق ليتزوجها، فإذا لم يفوا رجع إليه ما أنفق، وعند المالكية لا يرجع المنفق بشيء .
عالم متجدد
ألفاظ فقهية ذات صلة ببعضها (2-2)
27 ديسمبر 2013 02:35 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 ديسمبر 02:35 2013
شارك