من تشيلي إلى المكسيك تعصف المظاهرات والاحتجاجات الشعبية بدول أمريكا اللاتينية، التي مثلت لسنوات طويلة نموذجاً ملهماً للعديد من بلدان العالم النامي، بخاصة البلدان العربية، بفضل ما حققته من إنجازات ضخمة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ناهيك عما أنجزته من خطوات ملموسة على طريق التحول الديمقراطي بعد عدة عقود من الحكم العسكري. لذلك فإن ما يشهده العديد من دول أمريكا اللاتينية من احتجاجات ومظاهرات شعبية ضخمة، وعنيفة في بعض الأحيان، إنما يمثل صدمة للمعجبين بالنموذج اللاتيني.
تكشف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسية، بكل وضوح، عن أسباب الاحتجاجات التي تضرب مختلف دول أمريكا اللاتينية؛ فالفقر يمثل أحد التحديات الرئيسية في المنطقة، ووفقاً للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي فإن أمريكا اللاتينية هي أكثر مناطق العالم من حيث التفاوت الاجتماعي. وفي أحد التقارير الصادرة عن اللجنة مطلع العام الحالي اتضح أن 28 في المئة من سكان القارة يعانون الفقر.
وعلى الرغم مما بذلته دول المنطقة من جهود كبيرة لمواجهة الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، فقد لوحظ حدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي منذ عام 2012، نتيجة انكماش الاقتصاد العالمي إضافة إلى الفساد، فضلاً عن سيادة النمط الاستخراجي للتنمية الذي يقوم على الاستفادة من ارتفاع أسعار المواد الخام، التي تمثل 75 في المئة من صادرات المنطقة، مع عدم الاهتمام الكافي بتطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى. ومن الجدير بالذكر أن دول أمريكا اللاتينية قد تضررت بشكل كبير من تراجع الطلب الصيني على السلع، وما ارتبط به من انخفاض ملحوظ في أسعار الطاقة والغذاء والمعادن، وانخفاض قيمة صادرات أمريكا اللاتينية بشكل كبير، ما أدى إلى قيام بعض الدول بخفض موازناتها وخطط إنفاقها الاجتماعي، مما كان سبباً مهماً لاندلاع المظاهرات.
العام الأسوأ
وخلال الشهر الماضي خفض صندوق النقد الدولي من توقعاته لنمو اقتصادات أمريكا اللاتينية والكاريبي إلى ما نسبته 0.5 في المئة مقارنة بتوقعاته في إبريل/نيسان 0.9 في المئة، وهو ما يجعل هذا العام الأسوأ من حيث النمو الاقتصادي في القارة منذ عام 2009. كما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في أمريكا اللاتينية والكاريبي بنسبة 16 في المئة، العام الماضي ليصل إلى 158 مليار دولار، وفقاً لبيانات اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهو أكبر من أي انخفاض شهدته أقاليم أخرى في العالم.
وعلى الرغم من تباين أسباب الاحتجاجات من بلد لآخر فقد كان بينها مجموعة من القواسم المشتركة؛ فغالبيتها رفعت شعارات مكافحة الفساد والفقر وتحسين مستوى التعليم، وما يربط هذه الدول معاً هو الإحباط الشعبي من الاقتصادات الراكدة، والفساد الحكومي، وانعدام الشفافية. وبالنظر إلى كل دولة على حدة، نجد أن البرازيل شهدت مظاهرات ضخمة العام الماضي احتجاجاً على استضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم، وسرعان ما ظهرت فضيحة فساد كبرى في شركة بتروبراس النفطية المملوكة للدولة، كشفت عن تورط بعض المسؤولين في الشركة، وعشرات السياسيين في صفقات غسل أموال وفساد مالي، وكانت سبباً في تنظيم العديد من المظاهرات المطالبة برحيل الرئيسة «ديلما روسيف» عن السلطة. ومن الجدير بالذكر أن البرازيل احتلت المرتبة 69 من إجمالي 175 دولة شملها مؤشر مدركات الفساد لعام 2014 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
وفي الأرجنتين تعاني البلاد أوضاعاً اقتصادية صعبة، حيث تقف على شفا الركود، وجاءت في المرتبة 107 من إجمالي 175 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2014. وقد تظاهر مئات الآلاف من المحتجين مطلع العام الجاري احتجاجاً على وفاة مشبوهة، للمدعي العام «ألبرتو نيسمان»، الذي عثر عليه مقتولاً بعيار ناري في رأسه قبل ساعات من الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، في اتهامات للرئيسة «كريستينا فرنانديز دي كيرشنر» بتسترها على تورط إيران في الهجوم على مركز الجالية اليهودية في عام 1996. وربما تنذر هذه الاحتجاجات بتغير المزاج العام بعيداً عن اليسار في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
أما فنزويلا فشهدت بدورها، مطلع العام الحالي، مظاهرات ضخمة احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي تعانيها البلاد؛ نتيجة انخفاض أسعار النفط، ما تسبب في الركود وارتفاع معدّل التضخم ونقص الكثير من السلع الأساسية، كما كانت المظاهرات اعتراضاً على ارتفاع معدل الجريمة والفساد، حيث جاءت في المرتبة 161 من إجمالي 175 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2014. وفي مايو/أيار الماضي اندلعت مرة أخرى مظاهرات للمطالبة بالإفراج عن معارضين سياسيين، وتحديد موعد محدد للانتخابات التشريعية هذا العام.
وفي شهر مايو/أيار الماضي شهدت المكسيك، التي تعاني ارتفاع معدل الجرائم المرتبطة بالمخدرات، والفساد، وعُنف الشرطة، احتجاجات كبيرة، وعنيفة أحياناً، للمطالبة بكشف الحقيقة في قضية اختفاء ثلاثة وأربعين طالباً في سبتمبر/أيلول الماضي في ظروف غامضة ومشبوهة، يعتقد بتورط بعض عناصر الشرطة الفاسدة، وعصابات المخدرات فيها. وسبق أن شهدت المكسيك، في أواخر العام الماضي، مظاهرات ضخمة جراء اتهامات بالفساد لزوجة الرئيس «إنريكي بينا نييتو» ووزير ماليته اللذين خضعا للتحقيق حول امتلاك الأولى لقصر بقيمة 7 ملايين دولار من شركة عقارات حكومية. وكانت المكسيك قد احتلت المرتبة 103 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2014.
فضائح الفساد
وفي غواتيمالا، التي احتلت المرتبة 115 من بين 175 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2014، شهدت البلاد سلسلة من التحركات الاحتجاجية للمطالبة باستقالة الرئيس «أوتو بيريز» الذي يشتبه في تورطه في فضيحة فساد جمركي وتزوير ضخمه، وقد تم إثر هذه التحركات الإطاحة بنائب رئيس الدولة، وعزل محافظ البنك المركزي ووزير الداخلية وزير الطاقة والتعدين والبيئة ورئيس جهاز المخابرات، وعدد آخر من كبار المسؤولين، كما تم تشكيل لجنة برلمانية معنية بدراسة إمكانية رفع الحصانة عن الرئيس، الذي أعلن عن تمسكه بمنصبه ورفضه الاستقالة.
أما هندوراس فتشهد أيضًا منذ عدة أسابيع تظاهر الآلاف للمطالبة باستقالة الرئيس «خوان أورلاندو هيرنانديز»، والتحقيق معه في تهم تتعلق بالفساد المالي، واختلاس أموال من حساب معهد الضمان الاجتماعي، وقيام حزبه «الحزب الوطني» بتلقي أموال من شركات لها صلة بفضيحة فساد ضخمة لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية عام 2013، وهو ما أسفر عن اعتقال عدد من كبار المسؤولين واستقالة عدد من الوزراء الشهر الماضي. وكانت هندوراس قد احتلت المرتبة 126 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2014.
وفي تشيلي استقال نجل رئيسة البلاد «ميشيل باشيليت»، وزوجته من حزبها «الحزب الاشتراكي» في مارس/آذار الماضي بسبب مزاعم بتلقيه معاملة خاصة لتسهيل حصوله على قرض، كما اندلعت مظاهرات طلابية عنيفة في شهري إبريل ومايو من العام الجاري ضد انتشار الفساد في البلاد، وهو ما دفع باشيليت لمطالبة جميع وزراء حكومتها بالاستقالة، وتعهدت بالقيام بإصلاح واسع لمكافحة الفساد، وصياغة دستور جديد. وعلى الرغم من تلك التعهدات، فسرعان ما عادت المظاهرات للشوارع قبل انطلاق بطولة كوبا أمريكا في يونيو/حزيران الماضي، احتجاجاً على إنفاق الحكومة التشيلية مبالغ طائلة على تنظيم الحدث، وطالب المتظاهرون بإصلاح حقيقي للنظام التعليمي، داعين الحكومة إلى تحقيق مبدأ مجانية التعليم.
وفي بيرو، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في أحد الأقاليم جنوب البلاد بسبب المظاهرات العنيفة ضد مشروع «تيا ماريا» للتعدين الذي يرفضه سكان المنطقة لأنه سيضر بالزراعة والبيئة.
وفي بوليفيا نظمت خلال الشهر الجاري المظاهرات المطالبة بزيادة الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية.
كما شهدت نيكاراغوا اشتباكات عنيفة بين شرطة مكافحة الشغب والمعارضة الليبرالية التي خرجت في احتجاجات مطالبة بتخفيف سيطرة حزب «جبهة التحرير الوطنية» الحاكم، وتنظيم انتخابات نزيهة خلال الاستحقاقات العامة المقررة في 2016.
أما في الإكوادور فكانت الاحتجاجات التي نظمها آلاف المواطنين قبيل زيارة البابا للبلاد اعتراضًا على سياسات الرئيس «رافاييل كوريا» التي يصفها معارضوه بالشعبوية لتركيزها على الإنفاق في القطاعات الاجتماعية فقط.
ولاشك أن تلك المظاهرات سوف يكون لها مردود سلبي على الاستقرار السياسي واقتصاديات المنطقة؛ لأنها تعزز لدى المستثمرين الصورة النمطية لأمريكا اللاتينية كونها المنطقة المضطربة التي تعاني عدم الاستقرار السياسي. ورغم ذلك فإن الاحتجاجات تعكس كذلك تغييرات إيجابية في المجتمع الأمريكي اللاتيني؛ فمع ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، وخروج ما يقدر بنحو 50 مليون شخص من دائرة الفقر بين عامي 2000 و2010، حدث نمو ملحوظ في الطبقة المتوسطة التي أضحت ذات مستوى تعليمي واقتصادي جيد، وأصبحت أكثر طموحاً، وأقل تسامحاً مع الفساد. ويمكن النظر إلى المظاهرات كجزء من العملية الديمقراطية، فبعدما عانى مواطنو دول أمريكا اللاتينية من القهر والاستبداد في ظل الحكم العسكري، أصبحوا أكثر حرية في التعبير عن آرائهم والخروج للشارع. كما كشفت المظاهرات عن قوة مؤسسات المجتمع المدني وحرية الصحافة، ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تنظيم تلك الاحتجاجات وفي الدعوة إليها.
وختاماً فإن المظاهرات الشعبية التي تشهدها عدة دول بأمريكا اللاتينية مرشحة للاستمرار والاتساع إذا لم تتخذ الحكومات خطوات حقيقية للتغلب على أسبابها، ودون ذلك فإن مستقبل تيار اليسار الذي يتصدر المشهد السياسي سيكون على المحك.
*باحثة متخصصة في شؤون البرازيل وأمريكا اللاتينية