عندما يسمع أحدنا مصطلح أمهات المؤمنين، يتبادر إلى ذهنه فوراً أنهن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتبادر إلى الذهن أيضاً أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم تسع وهن أمهات المؤمنين ولا أحد سواهن .
لكن الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع زوجات فقط، أما عدد من تزوجهن فأكثر من ذلك، وفي كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد على أسماء بنت النعمان وعمرة بنت يزيد، لكنه فارقهما قبل الدخول (راجع سيرة ابن هشام ج4 ص 647) .
ودخل باثنتي عشرة وهن: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت الصديق، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة المخزومية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وريحانة بنت زيد، وأم حبيبة، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث .
وهؤلاء النسوة يطبق عليهن مصطلح أمهات المؤمنين، لتوافر الشروط فيهن وهي:
- الإسلام إذ لا يجوز للرسول أن يتزوج كتابية باقية على كتابيتها .
- الحرية، لأن الأمة يتزوجها من لا يقدر على الزواج، أو من يخاف على نفسه من الوقوع في الزنا، والرسول ليس كذلك، لأنه يجوز له أن يتزوج من شاء من غير مهر، وهو النبي المعصوم من الوقوع في الفاحشة .
- التنزه عن الزنا، لذلك فإن الله تعالى أنزل براءة عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات .
- عدم الامتناع عن الهجرة، وقد ذكر السيوطي في الخصائص (ج3 ص 277- 278) أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات (رواه الترمذي بإسناد حسن) .
إذن فإن مصطلح أمهات المؤمنين يطلق على كل من دخل بهن الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرائر، ولذا فإن مارية القبطية من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنها ليست من أمهات المؤمنين، لأنه دخل بها على وجه التسري لا عقد النكاح .
ويلاحظ أننا نقول (أمهات المؤمنين)، وبذلك فإن المصطلح لا يشمل المؤمنات، فلا يقال: أمهات المؤمنين والمؤمنات، وقد ورد عن عائشة رضى الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أماه، فقالت لها عائشة: لست لك بأم، وإنما أنا أم رجالكم (ذكره ابن العربي في تفسيره أحكام القرآن) .
ويرى القرطبي أنهن أمهات للمؤمنين والمؤمنات لعموم الآية الكريمة: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (الآية 6 من سورة الأحزاب) .
على كل حال فإن أمهات المؤمنين حقهن كبير علينا، وقد رجح بعض العلماء كما نقرأ في المغني لابن قدامة، وفي تفسير القرطبي والطبري، أنهن يدخلن في آل بيت الرسول، لأن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، ويقول عكرمة إن الآية إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت . . . نزلت في نساء النبي خاصة (راجع المصادر نفسها) .
لذلك فإن الطعن فيهن يوجب العقوبة، وقد رجح جمهور الفقهاء أن قذف السيدة عائشة رضى الله عنها المبرأة بنص صريح في القرآن، يوجب الكفر وجزاء قاذفها القتل، كما أن قذف غيرها من أمهات المؤمنين يوجب حد القذف، وهكذا قذف أي صحابي من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم .
نعم . . ومن حقهن على الأمة الإسلامية أنهن يحرمن تحريماً مؤبداً كالأم، فلا يجوز لأحد أن يتزوجهن بعد رسول الله، ولا فرق عند بعض الفقهاء بين العقد عليهن والدخول بهن، وبين العقد عليهن وطلاقهن قبل الدخول لقول الله تعالى: ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده .