يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد. الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم. يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب.

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اجعلوا نفقتكم التي تنفقونها في سبيل الله من أطيب أموالكم التي اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها.

نفيس وحلال

وقوله: ومما أخرجنا لكم من الأرض معطوف على ما قبله أي أنفقوا من طيبات أموالكم التي اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها، فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا في نفقتهم المال الطيب في كل وجه من وجوهه، بأن يكون جيدا نفيسا في صنفه، وحلالا مشروعا في أصله.

وقد أكد الله تعالى هذا الأمر بجملتين كريمتين فقال: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه.

والخبيث: هو الرديء من كل شيء، والمراد بالإغماض هنا المساهلة وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا كما قال الإمام الرازي في تفسيره.

والمعنى: أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها، ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون إنفاقكم من الخبيث الرديء، والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطي لكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تتساهلوا في قبوله، وتغمضوا الطرف عن رداءته، وإذا كان هذا شأنكم في قبول ما هو رديء فكيف تقدمونه لغيركم؟

إن الله ينهاكم عن ذلك لأن من شأن المؤمن الصادق ألا يفعل لغيره إلا ما يحب أن يفعله لنفسه.

وسوسة الشيطان

ثم ختم سبحانه الآية بقوله: واعلموا أن الله غني حميد أي واعلموا أن الله تعالى غني عن صدقاتكم وإنما أمركم بها لمنفعتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء، وهو سبحانه المستحق للحمد الحقيقي دون سواه، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا في سبيله الجيد من أموالكم شكرا له على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلائه.

ثم حذر الله تعالى المؤمنين من وساوس الشيطان وخطواته فقال: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء.

والمعنى: الشيطان يعدكم إذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال ويحذركم من الصدقة بما يوسوس في نفوسكم من شرور وآثام، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من أموالكم في سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته. والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم.

أي: إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، فالله تعالى يعدكم مغفرة منه لذنوبكم على ما تنفقونه من أموالكم في سبيله، ويعدكم أيضا فضلا أي نماء وزيادة في أموالكم، فإن الصدقات تزيد البركة في الرزق. وقد ختم سبحانه الآية بقوله: والله واسع عليم تأكيدا لوعده الذي وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم من فضله، أي والله تعالى واسع الجود والعطاء والرحمة، وسيحقق لكم ما وعدكم به من المغفرة وتضعيف ما تنفقونه، وهو مع ذلك عليم بأحوال عباده صغيرها وكبيرها، وسيجازي الذين اتبعوا أوامره بجزيل الثواب، كما سيجازي الذين اتبعوا وسوسة الشيطان بسوء العذاب.

ثم قال سبحانه: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

والحكمة بالنسبة للإنسان صفة نفسية فهي أساس المعرفة السليمة التي توافق الحق، وتوجه الإنسان نحو عمل الخير.

والمعنى: أن الله تعالى الفاعل لكل شيء يؤتي الحكمة لمن يشاء من عباده ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا لأن الإنسان إذا أوتي الحكمة يكون قد اهتدى إلى العلم النافع، وإلى العمل الصالح الموافق لما علمه، وإلى الإيمان بالحق وإلى الاستجابة لكل خير والابتعاد عن كل شر، وبذلك يكون سعيداً في دنياه وأخراه.