** الشارقة: محمدو لحبيب

قد يحدث أن يمر أحدنا على زهرة زنبق جميلة فيشم رائحتها، وينتشي في يومه كله بها، وقد يحدث أن يكتب شاعر ما قصيدة تتغزل يالزنبقات البيض، وما تحدثه من تأثير حولها، وفي نفسيته هو خصوصاً، لكن كل ذلك لن يتجاوز التفكير في الجمال المجرد لتلك الزهرة، ولن يتعداه إلى ما هو أكثر، فما الذي يحدث حين يغدو جمال الوردة مصدر تجارة رابحة ترفع ناساً، وتضع آخرين، وتُكسب البعض، وتجعل البعض خاسرين، وتحرر رجالاً، وتجعل آخرين يقبعون خلف الزنانزين؟
كتاب «الولع بالزنبق.. سيرة الزهرة التي شغف بها العالم»، للمؤرخ والباحث في التاريخ الاجتماعي مايك داش، يقدم سيرة يظهر من خلالها ذلك الولع الذي اجتاح مناطق من العالم منذ بضعة قرون، ابتداء من ظهورها في جبال تيان شان في آسيا الوسطى، حتى وصولها إلى هولندا في القرن السادس عشر، وتحديداً في سنة 1562م، وتحولها إلى تجارة هناك تُدر على زارعيها أرباحاً هائلة، وتغير بالتالي أوضاع المجتمع من حولها.
ويرصد الكاتب حمى الزنبق التي اجتاحت هولندا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والتي دفعت إلى عمليات مضاربة واسعة عليه، وأدت من بين تأثيرات عدة، إلى أن يبيع أحد الناس هناك قصراً منيفاً مقابل كمية من الزنبق، وأدت كذلك بآخر إلى أن يبيع مصنعه ومتجره من أجل حفنة من تلك الزهرة الجميلة.
ويصف داش بدقة، ولغة آسرة جلسة مزاد حدثت في مدينة هولندية تدعى «ألكمار» يتبين من خلالها أن ذلك الشغف بالزنبق لم يكن مطلقاً بدافع الإحساس بالجمال، وإنما كان بدافع تجاري قبل كل شيء ويقول: «لقد جاء تجار إلى ألكمار لحضور مزاد لم يسبق له مثيل.. بدأت عمليات المزايدة على عجل، لكنها سرعان ما غدت في حالة اهتياج عارم، ابتدأت المزايدات على رزم من الزنبق بمائتي جيلدر (عملة هولندية)، للرزمة الواحدة، ثم ارتفعت إلى أربعمائة، وستمائة، إلى أن بلغت ألفاً ويزيد، ومن أصل نحو مائة رزمة بيعت أربع منها بما يربو على ألفي جيلدر للواحدة، وفي اختتام المزاد حُسب حجم الأموال التي جمعها القيمون عليه في ذلك اليوم، فبلغت ما مجموعه تسعين ألف جيلدر، وكان ذلك المبلغ ثروة حقيقية في تلك الأيام».
ويعتبر داش أن ذلك اليوم كان هو الذي بلغت فيه حمى الزنبق في هولندا حافة الجنون، ويقول عنه: «كان التاريخ يومئذ الخامس من شهر فبراير/ شباط من عام 1637م، ذلك اليوم الذي بلغت فيه حمى الورد في الأقاليم المتحدة حافة الجنون، إلى درجة أن هذه الورود التي لم تحظ بقيمة ما ذات يوم، أصبحت تشكل خطراً على مكانة المعادن الثمينة التي أولع الناس بها أكثر من أي شيء آخر، في ذلك اليوم استكملت زهرة الزنبق رحلة بدأتها قبل مئات السنين وعلى بعد أميال من هولندا».
ويستعرض الكاتب بدايات الاهتمام بالزنبق في المجتمع الهولندي، وتحديداً في نخبته، ويأتي بحكايات تجسد ذلك، من بينها حدائق الزنبق المزروعة في منزل ريفي يدعى «موف شانس»، التي كتب عنها قسيس يدعى بيتروس هونديس، قصيدة ملحمية نشرت سنة 1621م، واشتملت على ستة عشر ألف بيت من الشعر، ويقول الكاتب سارداً ذلك: «كان صاحب المنزل يدعى يوهان سيرلبنس، عمدة مدينة نيوزن، وكان وجه دعوة لصديقه هونديس للإقامة معه، وفي الوقت المناسب أنشأ القسيس حديقة للأعشاب الطبية في أراضي المنزل، وكان من بينها زراعة ست مساكب كاملة خصصت لأزهار الزنبق».
ويبين الكاتب أن هونديس لم يكن في الأصل محباً للزنبق، بل إنه كان شديد الانتقاد لمن يقعون في شرك الهوس به، وبزراعته، وكتب في ذلك قصيدة مريرة، وقال: «لم يكن هونديس مولعاً بالزنبق، إذ إنه زرع كل أصناف النباتات في حديقة سيرلبنس، بدءاً من القرنفل إلى الحدقية، والنرجس، وكان ينظر بازدراء لأولئك الذين يؤثرون الزنبق على الزهور الأخرى، بل إنه صاغ شعراً مريراً في انتقاد أولئك الذين سمحوا لأنفسهم أن يقعوا في شرك ذلك الهوس الذي يزداد تفاقماً، فكتب يقول: كل ما يبغيه هؤلاء الحمقى أبصال الزنبق/ في الرؤوس والقلوب لا توجد إلا أمنية واحدة/ دعونا نحاول أكل الأبصال وسوف تثير فينا الضحك/ حين نذوق شدة المرارة في ذلك الطبق».
ويبرز الكاتب بعد ذلك أن الشاعر هونديس تغير تماماً في مزاجه وموقفه من الزنبق، ليسقط هو الآخر في فخ غواية الزهرة الجميلة، وليطلب في ملحمته الشعرية الآنفة الذكر من الرسامين أن يحاولوا تصوير جمال الزنبق على لوحاتهم الفنية التي يرسمونها على القماش، وليتحداهم بذلك معتبراً أن المهمة مستحيلة تماما.
وينتقل الكاتب إلى التأثير الذي أحدثه الشاعر هونديس في النخبة الهولندية عبر قصيدته المتغنية بالزنبق، وجماله الآسر، وعبر حديقته التي زرعها وخصص جلها للزهرة الجديدة آنذاك، فيحكي الكاتب عن ذلك فيقول: «كان النجاح الذي أصابته القصيدة دافعاً لأبرز رجال تلك الحقبة لزيارة منزل سيرلبنس، وكان من بين الزائرين الذين نعلم عنهم موريس من ناساو أمير أورينج الجديد، ورئيس أركان الجيوش الهولندية التي قاتلت الإسبان، وأحد أبرز الجنود المشهورين في ذلك الزمان، ولا بد أن موريس شغف بما رأى في حديقة هونديس، لأن أزهار الزنبق أصبحت تزرع منذ ذلك الحين في قصر الأمير في لاهاي، وبكميات هائلة إلى درجة أنها كانت تعرض للبيع لعامة الناس».
ويؤكد الكاتب أن زهرة الزنبق أصبحت منذ ذلك التاريخ، وبفعل التأثير المتداعي الذي أحدثته قصيدة هونديس، هي الأثيرة عند النخبة الهولندية، وأنها حظيت بشغف خاص لدى بعض الرجال الأكثر نفوذاً هناك.
الكتاب ضم فصولاً عدة وجاء في 542 صفحة، وترجمه إلى اللغة العربية المترجم الأردني الدكتور محمد عبد القادر، وهو من منشورات كلمة سنة 2012.