محمد هاني عطوي
من يشاهد فيلمها الجديد «هي» الذي نالت عنه جوائز، يقع المشاهد وربما الناقد في حيرة، هل إيزابيل أوبير ضحية أم شيطان؟ وهل هي مهووسة بالهيمنة أم مجرد امرأة سيئة؟ الفيلم يذكرنا بفيلم شارون ستون «غريزة أساسية»، خاصة أنه لنفس المخرج الهولندي بول فرهوفن. وأوبير تبدو بارعة في تجسيد صورة امرأة مهيمنة، فضلاً عن برودتها القاتلة. تحافظ على طريقتها المدهشة في التمثيل باستمرار حتى على خشبة مسرح «أوديون» الذي اعتلته مؤخراً في مسرحية «فيدر» Phèdre للمخرج كريستوف وارليكوسكي، فهي تبدو جريئة أكثر من أي وقت مضى، وربما سيجلب لها هذا الدور جوائز جديدة في التمثيل. ولها أيضاً فيلم جديد «المستقبل» لميا هانسن لوف. مجلة «باري ماتش» التقت أوبير في هذا الحوار..

* مهرجان «كان» السينمائي أصبح مسألة روتينية بالنسبة لك. كنت رئيسة لجنة التحكيم، وفزت بجائزتين للتمثيل، وفي العام الماضي كان لديك ثلاثة أفلام مختارة، فهل الأمر مسلٍّ لك؟
- نعم، أنا سعيدة للغاية، وبصراحة من يملّ من الذهاب إلى مهرجان «كان»؟ هذا المكان يعني لي حب السينما، والفرح والطقوس السينمائية القوية، فنحن لا نعلم أبداً كيف سيتم استقبالنا. عندما قدمت «مالينا» لفيرنر شروتر، كان الأمر معقداً.. أحياناً يكون الأمر مفرحاً، وأحياناً يحمل المعاناة، ومن لا يغامر بشيء لا يكسب أي شيء.

* بول فرهوفن مثله مثل هانيكي أو شابرول، إنه مخرج «المجون» العظيم. وقد قلت عنه أنه بالنسبة لك واحد من أكبر المخرجين في العالم لماذا؟

- هل قلت ذلك؟ وأنت هل تريد أن تقول، إنه مخرج عظيم أو فاسد عظيم؟ لا أعتقد أن الناس فاسدون أو ماجنون كما يقولون، كما أعتقد أن فرهوفن هو أكثر ذكاء من كونه ماجناً. هل هو ميكيافيلي؟ نعم، يحب أن يكون على حافة السكين، ويحب أن يقارب الخطر ويأخذنا قليلاً إلى قمم محفوفة بالمخاطر. وإنه لأمر لذيذ جداً أن تشعر بالدوار، وأن تعتقد أنك سوف تقع. ومثل أي مخرج كبير، يحاول فرهوفن أن يفهمنا رؤيته للعالم. وهذا سبب كافٍ بالنسبة لي لمنحه ثقتي.

* من «فيدر» إلى «هي»، يبدو أنك تتلذذين في دفع الحدود نحو ما هو مقبول أو متوقع من نجم مثلك. فهل تثيرك مسألة صدمة الجمهور؟

- بالتأكيد لا! أولاً وقبل كل شيء لا أشعر بأنني تجاوزت حدودي. ربما أكون مخطئة، وربما أكون ساذجة قليلاً أو غير واعية.. ولكنني لست هذه ولا تلك.

* ولكنك ذهبت بعيداً جداً وأنت على خشبة المسرح في مسرحية «فيدر»؟

- وظيفتي هي تتبع المخرج. ولا أعتقد أن فرهوفن تعمد في فيلم «هي» أن يجعلني أذهب إلى أبعد من المعتاد، علماً بأنه لا يعرف كل الأدوار التي لعبتها، ولذلك لا توجد استراتيجية معينة من جانبه، ولا إرادة مني لصدم الناس، بل هناك فقط قصة يجب أن تروى على نحو أفضل دون الذهاب بعيداً جداً، والبقاء على مقربة من مسألة الغموض الأنثوي! وأنا مدركة تماماً لهذا الأمر. وفي «فيدر» يدور كريستوف وارليكوسكي حول العديد من الشخصيات النسائية اللاتي يرفضن ألم الرغبة والعنف وحتى الجمال.. وكل ما هو مخجل وما يمكن أن يقال على المسرح.

* شخصيتك في فيلم «هي» لا تأسف على شيء، وتحاول إغواء الجميع دون التركيز على شخص ما. فهل ترينها كامرأة قوية أو وحيدة جداً؟

- الاثنان معاً. فهي قوية لأنها وحيدة ووحيدة لأنها قوية، إنها المرأة التي تعبر من حالة (المفعول به) إلى حالة (الفاعل) وتقرر أن تتحكم بما تعانيه، وعندما تحدث الأمور فهي تواجهها، وهذه في الواقع شخصية ذات طابع بارز.

* ما هي حدودك؟

- نظرياً لا توجد أمامي حدود، وليس هناك دور يجعل الشكوك تساورني أو يجعلني في جو من انعدام الثقة. وما يمكن أن يوقفني هي الرؤية المحدودة التي يمكن أن يحملها المخرج بداخله، فليس لأن الشخصية تواجه العنف ينبغي للممثلة أن تفعل الشيء نفسه. وفرهوفن لا يفرض أي شيء على أي ممثل. الدور يشبه لوحة من الفن المعاصر بمعنى أننا لسنا في الواقعية، فعند النظر إلى لوحة، لا نسأل أنفسنا إذا كانت غير لائقة أو غير محتشمة، هي صور ورؤى تحمل شكلاً نقياً.

* كممثلة، تقولين بأنه ليست لديك أي مشكلة مع عدم الاحتشام، ولكن كشخص نجد أنك تميلين إلى التحفظ أليس كذلك؟

- أعتقد أنه لا هذا ولا ذاك، بل أترك العنان لطبيعتي كي تدفع بي نحو الشعور بالارتياح الذي هو بالنسبة لي الصمت في سياقات معينة، ويكون أحياناً عبارة عن كسل، وأحياناً أخرى خجل، ومراراً ينتهي الحال إلى خلق نوع من سوء الفهم مع الآخرين.

* هل سوء الفهم هو أمر مهم؟ وهل أنت في الواقع امرأة إيجابية ومفعمة بالحياة؟

- في الأغلب نعم! لست من النوع المحرض أو المثير للقلاقل، ولكنني أفضل الفرح، ولدي القليل من القواسم المشتركة مع الشخصيات التي أجسدها في أغلب الأحيان، وإذا كان البعض يريد أن يراني كما أنا، فلا يزعجني ذلك. إنها مجرد صورة.. كما قال جان لوك غودار. هذا هو أحد الأسباب التي تجعلني أحب فيلم «المستقبل»، في خفته، وغياب الارتياب فيه، وحلاوته، فضلاً عن وجود شخصية لطيفة مثلي!

* فيلم «هي» يتحدث عن ثقل مشكلة الوراثة، فهل تعتقدين أنه لا يمكن الهروب من رابط الدم، وبأننا نتاج تاريخ العائلة التي ننتمي إليها؟

- بطبيعة الحال نحن نتاج البيئة التي نعيش فيها، أو بالأحرى من البيئة التي أتينا منها. ولكن، ولله الحمد نحن أيضاً نبني أنفسنا بطريقة داخلية خاصة، وهناك بعض الإرادة الحرة والاستقلالية، ولولا ذلك، لما توفر لدينا هامش من الحركة والعمل، ولكنّا باستمرار في حالة التذكير بأصولنا وماضينا.

* نادراً ما تتحدثين عن أصلك. من والداك؟

- لم أواجه أي عقبة ولم ألقَ إلا التشجيع من قبل والديّ.

* والدتك هي التي أدخلتك المعهد الموسيقي. هل تعتقدين أنك حققت حلمها كممثلة؟

- لا، أنا فقط أعطيتها الحق في أن تفعل ما تشاء بحكم أنها أمي، وكان من الصواب أن تعتقد أنني يمكن أن أكون ما تريد، هكذا هي الأم. لم يكن الأمر حلماً بل كان واقعاً!

* أن يتم توجيهك من قبل مخرجين مثل فرهوفن وميا هانسن لوف.. هل هو شكل من أشكال المشاركة السياسية؟

- هو التزام وليس سياسة، إذا ما اعتبرنا أن الأفلام سياسية بالمعنى الأوسع لأنها تتحدث عن الحياة في المدينة.

* هل يمكن وفقاً لشهرتك الالتزام بقضية معينة أو الترشح لمنصب ما؟

- طبعاً. ولكن هل أريد ذلك؟ مسألة الالتزام هي مسألة تشبه الفخ لا يمكن الخروج منها. فعندما نسأل ممثلاً عن التزامه السياسي، فإن ذلك يدفعني للصمت. دعنا نقول أنه في فترات تاريخية مختلفة، آمل أن أتمكن من توظيف نفسي لهذا النوع من الالتزام وأن أتمكن من الوقوف في الجانب الصحيح. وفي حال وجود خطر، سأعرف من أختار.

* وهل ثمة خطر؟

- ليس حتى الآن، ولكن ربما قريباً.. دعنا نرى ذلك في غضون أشهر قليلة.

* ما الذي يخيفك عموماً؟

- كل شيء، فأنا أخشى مما يخشاه كل شخص..

* يبدو أنك ضعيفة جداً ولا تستطيعين إخفاء ذلك؟

- لا، ليس إلى هذا الحد، فذلك أمر لا يهمني ولكنه يعبر عني بطريقة أو بأخرى، وهناك أمر دائم داخلنا يدعونا للاعتراف بالحقيقة. أنا أبتعد عن إسقاطات البعض علينا، وخصوصاً نحن الممثلات. ولا أريد أن أكون وعاء لهذه المخاوف. إذا كان التعبير عن هذه المخاوف يجعلني أشعر بأنني أفضل فمرحباً به.

جوائز ومهرجانات

إيزابيل أوبير حائزة على عدد من الجوائز في مهرجانات سينمائية عالمية، من بينها برلين وموسكو وفينيسيا وجائزة سيزر 1996 كأفضل ممثلة عن دورها في فيلم «المراسم»، كما حازت مرتين على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان» السينمائي، المرة الأولى كانت عن دورها في فيلم «مغامرة فيوليت» عام 1987 من إخراج كلود شابرول، والمرة الثانية عن دورها في «عازفة البيانو» إخراج مايكل هانيكي عام 2001، إضافة لجائزة حازتها عام 2008 في مهرجان «مونتريال» السينمائي عن مجمل أعمالها الفنية. وفي عام 2009 اختيرت كرئيسة لمهرجان «كان» السينمائي.