عند قيامك بزيارة إلى دولة أوروبية يشدك احترام الجميع لك منذ وصولك إلى المطار ومروراً بالشوارع التي ترتادها أو وسائل المواصلات التي تركبها أو المتاجر والأسواق والمعالم الحضارية التي تتجول فيها. معاملة حسنة.. لياقة.. أدب في الرد على استفساراتك.. صبر على هفواتك.. حرص على مساعدتك.. تفان في خدمتك.. بذل كل الجهد لكي تغادر بلادهم وأنت راض عنهم، تتحدث عن احترامهم وتقديرهم لضيفهم.. وتترسخ في ذهنك صورة رائعة عن تحضرهم.

هذا الأسلوب الراقي في التعامل والذي يختفي من حياة كثير من المسلمين داخل العالم الإسلامي وخارجه جاء به الإسلام وأرسى دعائمه بين الناس.. لكنه للأسف لم يعد سمة تميز سلوكيات المسلم وهذا ما دفع الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن يطلق عبارته الشهيرة عقب عودته من فرنسا وسؤاله عن أبرز مشاهداته رأيت هناك إسلاماً بلا مسلمين.. وفي بلادنا مسلمون بلا إسلام.

ويعني الشيخ الكبير بعبارته الشهيرة أن كل ما تشاهده في الغرب من صور للتحضر والرقي وخاصة في التعامل والعلاقات بين الناس هو في حقيقة الأمر آداب وأخلاقيات إسلامية.. ولكن كثيراً من المسلمين للأسف تخلوا عنها وتركوها للغربيين واستعاضوا عنها بجفوة وغلظة في معاملاتهم واستهتار بالآخرين وعدم التعامل معهم بما يفرض عليهم دينهم من تقدير واحترام.

الداعية والمفكر الإسلامي الدكتور محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر والذي عاش حقبة من الزمن في ألمانيا وتنقل بين العديد من العواصم والمدن الغربية، يؤكد أن قيمة احترام الآخر وتقديره إنسانياً واجتماعياً والتي يعلو سقفها في الغرب هي في حقيقة الأمر قيمة إسلامية، فالإسلام فرض على المسلم احترام الآخر والتعامل معه بإنسانية سواء أكان ضيفاً أم من أبناء الوطن.

خلق مكتسب

وقيمة احترام الآخر تعني التعامل معه بلياقة وأدب، والإنصات إليه عندما يتحدث والرد على تساؤلاته عندما يسأل، ومساعدته عندما يطلب المساعدة، وعدم محاسبته على هفواته الشخصية غير المقصودة والتفاني في خدمته وتقديم كل عون له.. هذا ما أمر به الإسلام.. لكن للأسف هذا الأسلوب المتحضر في التعامل اختفى من حياة كثير من المسلمين وبرز بوضوح في تعاملات الغربيين، ولعل هذا ما دفع إمامنا الكبير الشيخ عبده إلى ترديد هذه العبارة التي تحمل توبيخاً للمسلمين الذين أهملوا آداب وأخلاقيات دينهم وتعاملوا مع بعضهم بعضاً ومع ضيوفهم بغلظة وجفوة وعدم احترام.

وهنا يؤكد الدكتور شامة أن هذا الأسلوب الراقي في التعامل لن يكتسبه الإنسان من خلال كتاب يقرأه أو برنامج تلفزيوني يشاهده أو مجموعة تعاليم تلقى عليه هنا أو هناك، بل يكتسب الإنسان فضيلة احترام الآخرين من أسلوب التربية الذي تربى عليه في المنزل، فالأب والأم والإخوة الكبار يلعبون دوراً واضحاً في ترسيخ هذه القيم والآداب في نفوس الصغار، فالأب والأم عليهما احترام حقوق أطفالهما والتعامل معهم باحترام متبادل.. وهذا أيضا غير موجود للأسف في العلاقة بين الآباء والأبناء في بلادنا العربية والإسلامية حيث تكثر الشكوى من عقوق الطرفين، عقوق من الأبناء للآباء وعقوق وإهمال وغلظة في تعامل الآباء مع الأبناء، وفي مثل هذه البيئة من الطبيعي أن تختفي صفة الاحترام المتبادل، وإذا كان الاحترام غائباً بين الآباء والأبناء فمن الطبيعي ألا يكون موجوداً في التعامل مع الآخرين.

فضيلة مفقودة

الدكتور أحمد عبدالرحمن أستاذ الأخلاق يؤكد أن احترام الآخرين علامة تحضر ورقي، فكلما تعامل الإنسان باحترام مع الآخرين حتى ولو كانوا مخالفين له في الرأي والفكر والعقيدة كان متحضراً واتصف بالرقي في معاملاته، ويقول: لا خلاف على أننا نفتقد هذه الفضيلة في سلوكيات الكثير من الكبار والصغار في بلادنا العربية والإسلامية الآن، فقد حلت البلطجة محل الاحترام، وحل الصوت العالي محل الصوت المنخفض الذي يعبر عن رقي وتحضر صاحبه ولذلك ليس غريباً أن ينتشر العنف والإجرام في شوارعنا ونوادينا وأسواقنا وحتى جامعاتنا والتي يفترض أنها تضم أرقى فئات المجتمع.

وتغيير هذه الأنماط السلوكية الخاطئة وإحلال القيم الحضارية الإسلامية محلها يحتاج كما يقول الدكتور أحمد عبدالرحمن إلى جهود كبيرة تبدأ من داخل البيت، حيث يجب أن يقوم الآباء والأمهات بواجباتهم التربوية وينبغي أن تكون سلوكياتهم أمام أبنائهم نموذجا للتحضر والرقي. وتنطلق القيم الإسلامية أيضاً من المدرسة، فنظام التعليم في بلادنا العربية والإسلامية يجب أن يولي منظومة القيم ما تحتاجه من اهتمام، فلا قيمة لعلم أو فكر أو ثقافة يحملها إنسان غير متحضر ويتصرف بشكل غير لائق مع كل المحيطين به.

مسؤولية العلماء

أيضاً يحمل الدكتور أحمد عبدالرحمن علماء ودعاة الإسلام مسؤولية غياب القيم الحضارية الإسلامية عن سلوكيات أبنائنا، فالدعاة من وجهة نظره مشغولون بأمور وقضايا غيبية وخلافية ويتركون أو يهملون القيم والأخلاقيات الإسلامية التي من شأنها في حالة شيوعها وانتشارها ضبط سلوكيات الإنسان وتهذيب أخلاقه بقيم وآداب إسلامية رفيعة.

من هنا يطالب أستاذ الأخلاق الإسلامية العلماء والدعاة بالتركيز على الآداب الإسلامية التي اختفت من سلوكيات الكبار والصغار، ويقول: علموا الجماهير الإسلامية الغفيرة التي تتردد على المساجد والتي تستمع إليكم عبر الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة كيف تتعامل بآداب وأخلاقيات الإسلام، انقلوا لهم كيف كان يتصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وأبنائه ومع كل الناس المحيطين به.. وضحوا للكبار والصغار أن الإسلام دين رحمة وعفة وإيثار وصدق في المعاملة وأنه ينشر بين كل أتباعه قيم الوفاء والإخلاص في العمل واحترام الآخرين.

وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه يؤكد الدكتور أحمد عبدالرحمن على ضرورة إعداد المعلمين في بلادنا العربية والإسلامية على قيم تربوية صحيحة، ويقول: كثير من المعلمين في بلادنا أصبحوا قدوة سيئة أمام تلاميذهم، فهؤلاء المعلمون منافقون ومستغلون، حيث يهملون في واجباتهم المدرسية حتى يدفعوا تلاميذهم الى أخذ دروس خصوصية، كما أن الواحد منهم غير منضبط ولا يحترم قيمة الوقت حيث يحضر دائماً متأخراً وينصرف قبل انتهاء الوقت المحدد له، وهو داخل قاعة الدراسة وخارجها يمارس سلوكيات غريبة وشاذة أمام تلاميذه، فهو يدخن أمامهم ويمارس الكذب والغيبة والنميمة مع تلاميذه، وهذا المعلم لا يمكن أن ينقل قيما تربوية صحيحة للأبناء، بل هو على العكس يعلمهم كيف يكذبون ويغتابون وينمون ويدخنون ويحرضهم على الاستهتار بقيمة الوقت وبالتالي هو يضرهم أكثر مما ينفعهم.

وينتهي أستاذ الأخلاق إلى ضرورة إعادة النظر في المناهج التعليمية والتربوية في مختلف مراحل التعليم في بلادنا العربية والإسلامية وإلى إعادة النظر في الأسس والمبادئ التربوية التي يتم إعداد المعلمين على أساسها بحيث تستعيد القيم التربوية والحضارية مكانتها وتعود لها الريادة في المنظومة التربوية والتعليمية العربية.