علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوعي بالزمن، وحثنا على استغلال كل دقيقة من عمرنا في ما يعود علينا بالنفع في دنيانا وأخرانا، وحذرنا صلى الله عليه وسلم من خلال العديد من الأحاديث الصحيحة من إهدار الوقت في ما لا يفيد.

وعلمنا عليه الصلاة والسلام أن حياتنا لا يمكن أن تستقيم ومشكلاتنا لا يمكن أن تحل، ومجتمعاتنا لا يمكن أن تنهض وتتقدم ونحن نهدر أوقاتنا في اللهو والعبث، فالمسلم الحق هو الذي ينظم وقته بين الواجبات الدينية والواجبات الدنيوية وهو الذي يعطي كل ذي حق حقه من دون أن يفرط في جانب على حساب الجوانب الأخرى.

قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام قيمة الوقت، وربى فيهم كيفية الحفاظ عليه واستثماره كما يحافظ الإنسان على أمواله ويسعى إلى استثمارها والاستفادة منها فكانوا أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها.

يقول الحسن البصري: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم، ومن هنا كان حرص الصحابة رضوان الله عليهم على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى.. يقول عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.

وكانوا يقولون: من علامة المقت إضاعة الوقت ويقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، وكانوا يحاولون دائما الترقي من حال إلى حال أحسن منه بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، ويقول في هذا قائلهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون.

لقد تعلم الصحابة والتابعون وسلف هذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم، أو برهة من الزمان وإن قصرت من دون أن يتزودوا منها بعلم نافع، أو عمل صالح، أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء، وتذهب جفاء وهم لا يشعرون.

كانوا يعتبرون من كفران النعمة، ومن العقوق للزمن أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم، ولا للحياة من حولهم زيادة في المعرفة، وزيادة في الإيمان، وزيادة في عمل الصالحات يقول ابن مسعود رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.

نعمة.. ونقمة

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السفه في إهدار الأوقات أشد خطرا على الإنسان والبيئة التي يعيش فيها والمجتمع الذي ينتمي إليه من السفه في إنفاق الأموال، وأن هؤلاء المبذرين المبددين لأوقاتهم لأحق بالحجر عليهم من المبذرين لأموالهم، لأن المال إذا ضاع قد يعوض والوقت إذا ضاع لا عوض له.

من هنا نبهنا الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى أنه من النعم التي يغفل كثير من الناس عنها ويجهلون قدرها، ولا يقومون بحق شكرها: نعمة الفراغ، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عباس: نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.. والمقصود من الفراغ هنا الخلو من المشغل والمعوقات الدنيوية المانعة للإنسان والصارفة له عن الاشتغال بالأمور الأخروية، وهذا لا ينافي ما حثنا عليه القرآن وما وجهنا إليه الرسول من حرص على الكسب وطلب الدنيا مادام ذلك لا يغرق الإنسان في مطالب الحياة، ولا يعطله عن القيام بواجباته الدينية وأداء حقوق الله عز وجل.

إن الفراغ الذي حذرنا منه الرسول لا يبقى فراغا أبدا، فلابد أن يملأ بخير أو شر، ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل.. والإنسان الذي يفهم دينه جيدا ويعمل بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يكون فارغا، لا هو في أمر دينه، ولا هو في أمر دنياه، حتى لا تنقلب نعمة الفراغ نقمة على صاحبها.

تنظيم الوقت

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننظم أوقاتنا بين الواجبات الدينية والدنيوية وإعطاء الجسد حقه من الراحة والسكينة وإعطاء النفس حقها من الترفيه والترويح الهادف.. فالمسلم مطالب بتنظيم وقته بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية، حتى لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، فما كان مطلوبا بصفة عاجلة لابد أن يبادر به ويؤخر ما ليس له صفة العجلة، وما كان له وقت محدد يجب أن يُعمل في وقته.

ومما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن صحف إبراهيم قوله: ينبغي للعاقل - ما لم يكن مغلوبا على عقله- أن يكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.

ومن تنظيم الوقت الذي علمنا إياه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن يكون فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجد، والقلوب تمل كما تمل الأبدان، فلابد من قدر من اللهو والترفيه المباح.. ومن ثم نبهنا الرسول إلى ضرورة أن يخصص الإنسان بعض وقته للترويح عن نفسه بالحلال الطيب من متاع الحياة وزينتها ولهوها ولعبها، ولهذا لما سمع صلى الله عليه وسلم حنظلة- أحد صحابته- وقد اتهم نفسه بالنفاق لتغير حاله في بيته ومع أهله وولده عن حاله عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا حنظلة، لو بقيتم على الحال التي تكونون عليها عندي، لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة.. وهذا هو شأن المسلم: ساعة وساعة.. أي ساعة لربه وساعة لقلبه كما يقول المثل السائر.

وحرص المسلم على الوقت وعدم إهداره فيما لا يفيد لا يعني أبدا أن يرهق جسده ونفسه في العمل بما يضعف من قوته، ويحول دون استمرار مسيرته، ويهدر حق نفسه في الراحة والترفيه، وحق أهله في الترويح عن أنفسهم.. حتى ولو كان هذا الإرهاق في عبادة الله عز وجل صياما وقياما وتنسكا وزهدا.. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما رآهم تكاثروا للصلاة خلفه في الليل: خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.. وفي موقف آخر قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا.. ونصح صلى الله عليه وسلم من بالغ في قراءة القرآن والقيام والصيام بالاقتصاد والاعتدال قائلا: إن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا.

وقال لآخرين غلوا في الطاعة والزهد: إنما أنا أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.

هذه هي سنته، وهذا هو منهجه عليه الصلاة والسلام: منهج التوسط والاعتدال بين الروحية والمادية والموازنة بين حظ النفس وحق الرب جل جلاله.

يقول المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري: نحن في أمس الحاجة إلى الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في احترام الوقت واستثماره فيما يفيد، فمن بين الآفات الخطيرة التي انتشرت بين المسلمين الآن في كل أرجاء الأرض وخاصة داخل عالمنا الإسلامي إهدار الوقت فيما لا يفيد حيث تعددت وسائل اللهو وقتل الفراغ في أمور تافهة، وأصبح من المناظر المألوفة في كثير من بلادنا العربية والإسلامية أن نرى الجموع الغفيرة من الناس القادرين على العمل تكتظ بهم المقاهي وأماكن اللهو والعبث ليلا ونهارا ويضيعون أوقاتهم فيما لا طائل من ورائه بل يهدرونه فيما يضر بالجسد والعقل.

ويضيف: لابد أن نربي أبناءنا على احترام قيمة الوقت واستثماره فيما يفيد حتى يحقق الإنسان طموحاته ويرقى بمجتمعه، فبدون الاستغلال الأمثل للوقت لا تقدم ولا نهضة ولا تنمية، وعلى المسلمين أن يتأملوا حياة الأوروبيين وما فيها من احترام للوقت وتوظيف جيد لكل دقيقة في حياتهم، فهم يفعلون ما أمرنا به الإسلام من نوم مبكر واستيقاظ مبكر وحرص على الذهاب للعمل في وقته وعدم إهدار وقت العمل في لغو وغيبة ونميمة وغير ذلك من الآفات الخطيرة التي انتشرت للأسف في حياة المسلمين.