كتب: محمدو لحبيب
«الحريص على الدنيا صحبته سم قاتل، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تُحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تُكْره صحبة طلاب الدنيا، وتستحب صحبة الراغبين في الآخرة».
حقوق الصحبة واختيار الصاحب والحرص على ذلك هي من القيم التي حثنا عليها ديننا الحنيف في أكثر من موضع، والفقرة السابقة هي من كتاب «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي، ويبين فيها معايير اختيار الصاحب والقواعد القياسية المتعلقة بمدى زهده أو حرصه على الدنيا وتفضيله إياها على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض وهو العمل للآخرة وللخلود الأبدي فيها، واعتبار الدنيا مجرد محطة لا تستحق منا الانغماس فيها لدرجة ذوبان الأخلاق النبيلة وتلاشيها أمام المال وجمعه وتكديسه، وذلك هو ما يقصده الغزالي بعبارته الحرص على الدنيا، فالدنيا هنا مرادفة للمعنى السيئ وهو البخل والانهماك في تحصيل الأموال، وعدم إبصار حتمية زوال كل ذلك.
ليست الدنيا في الإسلام مذمومة لذاتها، بل هي مذمومة إذا شغلت الإنسان بها، فلم يعد يبصر أن كل نعيمها إلى زوال، وبالتالي يتكبر ويُفْسد في الأرض، ويطغى كما طغى قارون، والذي ضرب به الله تبارك وتعالى المثل لنا في القرآن الكريم على الشخص الذي تستغرقه الدنيا فلم يعد يبصر نعم الله عليه، وبات يمشي مختالاً فخوراً متعاظماً في نفسه، وقال الله عز وجل عن ذلك: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ).
أما الذين يحرصون على الآخرة فلا يرون الدنيا إلا في أيديهم لينفقوا منها من دون إسراف ولا تبذير، ولا يسمحون لها بأن تغير ما في قلوبهم، فلا يطغون أويتجبرون أويتكبرون على الناس، لذلك فصحبتهم مفضلة تماما على صحبة الفئة الأولى.
وهنا علينا أن نشير إلى أن الزهد في الدنيا في الإسلام لا يعني أن نترك العمل لتحصيل المال بالطرق المشروعة، لأن الله جل جلاله حثنا على العمل، وعلى طلب الرزق، والآيات في القرآن الكريم كثيرة ودالة على ذلك، لكن الزهد في معناه الحقيقي هو ما أشارت إليه الفقرة السابقة للإمام الغزالي، وهو الرغبة في الآخرة، وهو ما عناه بعض الصالحين الذين يؤثر عنهم الدعاء الشهير: «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»، وهو ما يعني أنهم لا يريدون أن يكونوا حريصين على الدنيا.
ولأن الإنسان يتأثر ببيئته فقد حثت الفقرة التي افتتحنا بها هذا المقال على البعد عن صحبة الراغبين في الدنيا والمتمسكين بها، وبينت أن ذلك يؤدي إلى انتشار الرغبة الخبيثة نفسها كما ينتشر الداء.
إخوان الصدق
ولذلك أورد الغزالي في فقرة أخرى من كتابه تأكيدا آخر على فضل اختيار الصاحب وفق المعايير السابقة، وتبعا لما يمكن أن يؤثر به ذلك الصاحب على مجالسيه ومن يصحبونه فيقول: «أما المبتدع ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحث على طلب التدين في الصديق فيما رواه سعيد بن المسيب: عليك بإخوان الصدق تعشْ في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعُدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين من القوم ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى».
وتأكيدا على ما نقله الغزالي في هذه الفقرة من كلامه عن ضرورة الحرص في اختيار الصاحب، فقد نُقل عن عمر رضي الله عنه أيضا أنه كان يقول: «حُبب إلي من دنياكم ثلاث....وعدّ من بينها: مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما تُنتقى أطايب الثمر».
وفضل الصحبة الصالحة والحث عليها موجود كخلق أصيل وكريم وتوجيه سامٍ وسديد في شريعة ديننا وفي تعاملاته.
كتاب «إحياء علوم الدين» هو كتاب جامع في التربية والأخلاق والتصوف والفقه والعقيدة، وهو من أهم كتب المواعظ وأعظمها، وقد رتبه الغزالي رحمه الله على أربعة أقسام، ومقدمة في العلم، وبيّن في الربع الأول أحكام العبادات وكشف عن أسرارها، وذكر آدابها وسننها والترغيب فيها، وخصص الربع الثاني للعادات كالأكل والكسب، والحلال والحرام، والصحبة والعزلة، والسفر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين فيه كذلك أسرار المعاملات الجارية بين الناس، وأفرد الربع الثالث للمهلكات مثل عجائب القلب ورياض النفس، وآفات شهوة البطن والفرج، وآفات اللسان،
والغضب والحقد والحسد، وذم الاستغراق في محبة الدنيا والمال، والبخل فيهما، وذم الرياء والكبر، والعجب والغرور، وعرض الأخلاق المذمومة، وكيفية تزكية النفس عنها وتطهير القلب منها، وشرح في الربع الرابع المنجيات، كالتوبة، والصبر، والخوف من الله، والرجاء، والفقر والزهد، والمحبة والإخلاص، والصدق ومراقبة الله تعالى، ومحاسبة النفس والتفكر، وختمه بذكر الموت، وشرح الأخلاق المحمودة، والخصائل المرغوبة للتقرب إلى الله تعالى بها، وهو كتاب يستأنس به بشكل عام في الزهد والأخلاق الحميدة وإن كان البعض يرى أنه يحتوي على جملة من الأحاديث النبوية التي في سندها ضعف كما قال الإمام الذهبي رحمه الله عنه في «سير أعلام النبلاء»: (أما «الإحياء» ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير).
حجة الإسلام
والإمام الغزالي هو أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، ولد سنة 450 هجرية م، وتوفي سنة 505 هجرية، وكان فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ إذ لم يكن للشافعية في آخر عصره مثلَه، وكان على مذهب الأشاعرة في العقيدة، وقد عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية في علم الكلام، وأحد أصولها الثلاثة بعد أبي الحسن الأشعري، بالإضافة إلى الباقلاني والجويني.
لُقّب الغزالي بألقاب كثيرة في حياته، أشهرها لقب «حجّة الإسلام»، وله أيضاً ألقاب مثل: زين الدين، والعالم الأوحد، ومفتي الأمّة.
وكان له أثرٌ كبيرٌ وبصمةٌ واضحةٌ في عدّة علوم مثل الفلسفة، والفقه الشافعي، وعلم الكلام، والتصوف، والمنطق، وترك عدداً من الكتب في تلك المجالات.
ولد الغزالي وعاش في طوس، ثم انتقل إلى نيسابور ليلازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ولمّا بلغ عمره 34 سنة، رحل إلى بغداد مدرّساً في المدرسة النظامية في عهد الدولة العباسية بطلب من الوزير السلجوقي نظام الملك، وفي تلك الفترة اشتُهر شهرةً واسعةً، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى وصل به الحال إلى أن كان يجلس في مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم، وبعد 4 سنوات من التدريس قرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية النفس، متأثراً بذلك بالصّوفية وكتبهم، فخرج من بغداد خفيةً في رحلة طويلة استمرت11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، وكتب خلالها كتابه المشهور «إحياء علوم الدين» كخلاصة لتجربته الروحية، وعاد بعدها إلى بلده طوس متخذاً بجوار بيته مدرسةً للفقهاء، وخانقاه (مكان للتعبّد والعزلة) للصوفية.