تقع منطقة وادي أصفني جنوب إمارة رأس الخيمة وتضم منطقتي اصفي وكبكوب والكثير من والوديان القريبة من الجبال ومنها بقرة، والشري، وسلاموه، والكود، والخبيب الشرقي والغربي، والهكاكه، والمصيلي، والعج، وأصفي . وتتمتع المنطقة بصفاء وتحرسها الجبال والمزارع والسهول .

تحدث أهالي منطقة وادي أصفني، وممدوح القريبة منها عن حياتهم في الماضي وأبرز ما ميزها خاصة المنازل القديمة التي كانوا يعيشون فيها، في ما يسمى بخيمة أم كويع وهي عبارة عن خيمة من أخشاب السدر أو السمر وتجمع أطراف الأخشاب العلوية بمركز الخيمة من أعلى لتصبح على شكل الكوع وهو ما يطلق على مفصل الذراع، لذا تسمى أم كويع، كما سكن الأهالي في خيام من شعر، وزرعوا القمح البر والدخن والشعير والبصل صيفاً وكذلك المانجو والليمون، بالإضافة إلى مزارع النخيل الأساسية التي كانت تسقى من خلال الأفلاج .

ويقول راشد علي: منطقة ممدوح عرفت بحصنها القديم الذي ما زال قائما بجانب مسجد تراثي في مزرعة أحد الأهالي، وكنا نصلي جماعة أيام الأعياد وأيام الجمع، لتباعد منازل الأهالي ومناطقهم فيما نجتمع بالعيد في تلك البقعة بجانب الحصن التي تحولت إلى مسجد، ثم ترك الأهالي المنطقة التي أصبحت ضمن حرم إحدى المزارع .

سندية محمد راشد 60 عاماً تقول: كنا شعلة نشاط نحن النساء، لا نعرف النوم إذا ما بان الصباح وكنا نحطب ونسرح الأغنام ونحضر الماء من الآبار، وكنا ككل القبائل ننتقل من مكان إلى آخر بحثا عن العشب والأرض الخصبة، ووصل عدد الأمكنة المختلفة التي نرتادها سنويا إلى 4 أماكن، وكانت حياتنا الجبلية تزيدنا اصراراً على تحمل شظف العيش بمتعة لا تضاهى .

كنا حين يسقط المطر نتسابق على الزبيدية أو الفقع لروعة طعمها، ونأكلها مع الخبز أو الأرز بعد طبخها ونضع عليها الملح والسمن، كما كان طبخنا في الماضي من خيرات الأرض، وأتذكر طبخة المقطوعة التي تعتبر من الحلويات ونعدها في المناسبات والأعياد، وتتكون من حب الدخن، الذي نطبخه ونضع عليه الدبس أو السكر، ونقطعه بعد أن يبرد لذا سمي بالمقطوعة .

وكنا نتزين في الأعراس ونتطيب بالزعفران وتلبس النساء قديما شيلة نيل والشيلة أو الوقاية هي قطعة توضع على الرأس لتغطيته، ولم تكن العباءات ظهرت بعد، وكانت النساء قديما يلبسن الكندورة والثوب، المكون من قطعتين، أما الحلي فكان من الذهب أو الفضة، والذهب أنواع منه المرية، والمرتعشة، وأبو قضين، وهو عبارة عن نجوم ترص بخيوط وتوضع على الرقبة، أما البراقع فكانت لها زينة من ذهب وتسمى برقع أبو نجوم أي ترص النجوم الذهبية بخيط رفيع على طرف البرقع الذي يغطي الجبهة .

أما مريم خلفان 50 عاماً فتقول: المرأة كانت تحوك الملابس بنفسها واشتهرت في المنطقة نساء متخصصات في الخياطة منهن فاطمة راشد عبيد، وشيخة خلفان عبدالله، وشيخة سيف البريكي، وكانت النساء يدرزن ملابس الرجال في عملية وتسمى دال أي تطرزها بنوع واحد متعارف عليه، أما ملابس النساء فلها تطريز معين متعارف عليه .

تشجعت الوالدة فاطمة راشد عبيد 90 عاماً للحديث حين تداولت النساء من حولها الحديث عن الماضي، وقالت كنت أخيط كندورتين في اليوم، وإذا انشغلت عن الخياطة صباحا أكملها مساء على ضوء الفنر، وكنت أتقاضى عن كل كندورة حوالي روبية ونصف، وأحوك بيدي دون مكينة الخياطة التي لم استخدمها في حياتي، أما عملي فكان متقنا لدرجة ان قماش الكندورة يمكن أن يتقطع أو يتهتك ولا تتأثر الخياطة اليدوية .

وتضيف: بجانب الخياطة اليومية، لا أحيد عن عملي في المنزل سواء في السفافة وهي مهنة كانت النساء بالماضي يصنعن غيرها من خوص النخل العديد من الأدوات كالسرود، والمغطى، والمهفة، وهي أدوات كانت ضرورية، واشتهرت كذلك بعمل المخمرية وهي نوع من أنواع العطور المحلية، تحتوي مادتها على المسك والزعفران واليوز والقسط وغيرها من المواد التي تخمر 40 يوماً، من خلال دفنها بوعاء تحت الأرض .

كما كانت النساء في الماضي يغزلن شعر الماعز، وفوق كل تلك الأعمال، لا يعرفن الإرهاق والتعب كما نساء اليوم، أما عن منازلنا فكانت بسيطة وتصنع من الدعون ومفردها دعن وهو خوص النخيل الذي يُرْبط بحبال ليصبح قطعة واحدة، ويغطى بالعسبق الذي يمنع دخول المطر .

محمد سالم المزروعي 36 عاماً من أهالي منطقة ممدوح أكد انه لحق بمرحلة ما قبل الكهرباء التي وصلت إلى المنطقة في عام 1982 مشيراً إلى أنهم كانوا يتدثرون من البرد في الخيام التي صنعت من الدعون، والتي تحدد أبوابها حالة الأهالي المادية، فمنهم من يجعلون أبوابها من الدعون وتكون حالتهم المادية جيدة أما الذين يستخدمون الأبواب التي تشترى من الأسواق ولها مزلاج فتعتبر حالتهم المادية ميسورة وأفضل حالاً .

وأوضح أن حياتهم في الماضي كانت بسيطة ومنحصرة في تربية الأغنام أو المواشي والزراعة وكانا مصدر الرزق الأساسيين في ذاك الوقت .

أما بناء المساكن فيكون من خلال تعاون الأهالي، فيتعاضد 6 أشخاص لبناء العريش الواحد، وهكذا كلما أراد أحدهم ان يستقل عن أسرته بعريش قرب أهله .

كان الأهالي في الماضي يعتمدون على التعاون حين يمتلك أحدهم مزرعة، يعمل معه عدد من الأهالي، ويعطي كل منهم حصة من الانتاج بحيث إذا ربح صاحب المزرعة يربح الجميع والعكس صحيح، ويحدد نصيب العاملين في المزرعة حسب الاتفاق الذي يقره في بداية العمل كلا الطرفين . وكانت حدود المزرعة أو السياج الذي يفصلها عن غيرها عبارة عن الأشجار ذات الشوك كالسدر أو السمر، والأغنام أيضاً كان يخصص لها راع مسؤول عن تحركاتها، ولا يسمح لها بدخول المزارع .

وتذكر المزروعي كيف كان الأهالي حريصين على إخراج الزكاة، اذ يحضر سنويا شخص محدد لتقدير زكاة المزارع ويطلق عليه اليزييم وكان في آخر عهد لزكاة الزراعة على أيام رجل من الفجيرة يدعى بن معيلي، تقدر زكاة المزارع حسب الأداة المستخدمة في السقي فإذا كانت تسقى عن طريق الأفلاج فزكاتها أكثر من التي تسقى عن طريق اليازرة أو المنزفة وهي طرق أكثر صعوبة لسقي المزارع من الأفلاج، لذا تكون زكاتها أقل قيمة من الأفلاج، وتوزع الزكاة بعدها للفقراء والمتعففين من الأهالي . وكانت النساء تجمعن الحطب من شجر السمر أو القسد وهي أشجار معمرة، كما يجلبن المياه من اليفر وهو مصطلح محلي يعني البئر إلا أنه أقل عمقاً منه ويصل عمقه تقريباً إلى 10 أقدام، فيما يتفاوت عمق البئر ويصل إلى 30 قدماً أو أكثر ويسمى الطوي .

راشد علي اليليلي 55 عاماً قال: أتذكر كيف كنا نذهب بالجمال إلى الشارقة في مكان يدعى العرصة ونظل في المسير حوالي 6 أيام، في حين نقضي 5 ايام لنصل إلى رأس الخيمة من خلال درب الجبال، وإذا قصدنا الفجيرة تقطع الطريق حوالي يومين .

وكانت المعيشة بسيطة اذ كنا نسكن في الكرين في فصل الشتاء وهو عبارة عن منزل من حصى ومدر وسقفه من الدعون، وهي عبارة عن زور النخل يرص مع بعضه بعضاً من خلال الحبال المصنوعة من ليف النخل، والكرين يستخدمه أهل المزارع، أما أهل الأغنام والمواشي فيسكنون في الوديان من أعرش من عسبق وهو نوع من النباتات الجبلية .

سالم سعيد المزروعي 60 عاماً أشار إلى أنه يعيش كما كان في السابق، وفي الفترة الحالية يذهب إلى المناطق القريبة من الجبال ليبحث عن العسل مشيرا إلى دخول موسم عسل اليبياب وهي زهور السدر في شهري نوفمبر وديسمبر، أما الموسم الثاني فموسم عسل العشب الذي يمتد من فبراير إلى إبريل والموسم الثالث والأخير لعسل البرم وهو ما يطلق على أزهار شجر السمر من شهر مايو إلى منتصف يونيو . ويضيف كنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء تقريبا وقلما نشتري بضائعنا وأدواتنا المستخدمة من الخارج، وكل يمتهن نوع مهنة محددة، حتى سرج الحمير والجمال وهو ما يسمى محليا بشداد يخصص له احد الرجال لينسجه من صوف الخرفان أو شعر الأغنام . وكانت القلوب قريبة والمساكن بعيدة، وكنا نتزاور خاصة في الأعياد إذ نخصص أرضا منبسطة لنصلي عليها صلاة العيد وبعدها نجتمع لزيارة الأهالي إلى ثالث يوم العيد فيما نتفق على من سيكون الغداء عليه في تلك الأيام ويحدد الأهالي كل يوم منزلاً يتناولون الغداء فيه لدى أسرة معينه .

يقول أحد الأهالي: كان حرم المساكن يحدد من قبل الأهالي أنفسهم باستخدام اليامود وهو عبارة عن حجر طويل يصل طوله إلى متر تقريبا يوضع كعلامة حد حرم المساكن، وبعضها تصل حدود مساكنهم إلى الوديان وبعضها يضع أشجار السمر والسدر كعلامة لحد منطقة سكنه . وتمتد تلك المساحات المخصصة للسكن حسب قوة الشخص ونفوذ عائلته بحيث يمنع أن يقطع الشجر من تلك المنطقة لأنها تعتبر حرم المسكن .

وتقول مريم خلفان: تعددت مهن النساء في السابق فكانت بالإضافة إلى تلك المهن الاعتيادية كالخياطة وطحن الحب وجمع الحطب، تدبغ الجلود لتعد منها السقي وهي وعاء جلدي ما يخض به الحليب إذ تستخدم المرأة قديما القرط والأشخر والملح لدبغ الجلد، حيث يوضع جلد الماعز لمدة أسبوع مع تلك المواد في الماء ليسهل انتزاع الشعر منه، ويجفف بعدها ويخاط إما بخوص النخل أو حبال الليف .