سعد البازعي
حين نقول الأدب الخليجي فإننا نستعمل مصطلحاً ننسب بمقتضاه الأدب إلى الخليج، أي نجعل الخليج، أي الخليج العربي، مرجعية للإبداع الأدبي بكافة صوره، الخليج بوصفه موقعاً جغرافياً وتكويناً سياسياً- اقتصادياً وقبل ذلك تجمعاً إنسانياً . والمصطلحات كما يشير اسمها هي ما اصطلح عليه الناس، أو بالأحرى المختصون في حقل من الحقول، في التسمية بناء على معطيات موضوعية مقنعة، فتستقر الدلالات بناء على ذلك الاصطلاح أو التوافق . لكن هل هناك فعلاً اصطلاح أو توافق في مصطلح كهذا؟ بمعنى هل هو مما تنطبق عليه شروط الاصطلاح ومنها، غير التوافق، دقة الدلالة وشموليتها أي قدرتها على تفسير ما يراد منها أن تفسره . مصطلح "أدب خليجي"، في تقديري لا يفعل ذلك إلا بقدر محدود، بمعنى أننا عندما نقول أدب خليجي فإننا نفسر جزءاً من ظاهرة الأدب المنتج في منطقة الخليج ونترك أجزاء غير مفسرة . 
الأدب الخليجي في الاستعمال الدارج يشير إلى الأدب المنتج في دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهذه ليست بكل أجزائها واقعة في منطقة الخليج . من الناحية الجغرافية، يقع بعضها على ساحل البحر الأحمر أو أقرب إلى اليمن، والبعض على بحر العرب وأجزاء أخرى أقرب إلى الشام والأردن وفلسطين . فنحن من الناحية الجغرافية البحتة ننسب الكل إلى الجزء وهي نسبة غير دقيقة . هذا ينسحب بالدرجة الأولى على السعودية وعُمان في المقام الأول، وعلى الكويت من حيث محاذاتها للعراق وإيران .
الوعي بهذه الإشكالية في المصطلح مهم ومفيد لكيلا يطغى المصطلح على واقع الثقافة والأدب فيصبح المصطلح بضيقه هو الدال على الواقع باتساعه . والواقع ليس جغرافياً فحسب، وإنما هو إنساني ورحب رحابة التطلعات والمعاناة، رحابة الإبداع، ومتنوع تنوع الأفراد وقدراتهم على اجتراح الجماليات ومعالجة اللغة برؤى متفردة . المصطلح مفيد طالما دلنا على حقيقة ما ينتجه الواقع المعاش، وغير مفيد حين يقصر عن ذلك . والحق أن هذا شأن المصطلحات في معظم الحالات . ففي التحقيب المتوارث للأدب العربي نقول العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي مع أن أياً من تلك المصطلحات لا صلة له بطبيعة الأدب نفسه وإنما هي تنسب الأدب إلى غيره أو تنسب العصر كله إلى جزء منه أو إحدى سماته . هذه واحدة من جوانب القصور التي تعرفها الآداب الأخرى وليس أدبنا فحسب . فالإنجليز يقولون العصر الإليزابيثي والفكتوري والفرنسيون العصر الاتباعي، وهي تسميات قاصرة كما يؤكد الباحثون في الدراسات المقارنة .
غير أن مصطلح الأدب الخليجي لا يخلو على قصوره من فائدة هي أنه يساعدنا على رؤية هوية تتنامى في منطقة مهمة وكبيرة من الجزيرة العربية . ربما أن هذه الهوية لم تترك أثرها العميق بعد في ما نسميه أدب المنطقة أو ما نسميه "الأدب الخليجي"، لكنها ستفعل مثلما فعلت الهويات السياسية التي طرأت عبر قرن من الزمان فجعلتنا نتحدث عن أدب سعودي وإماراتي وبحريني الخ . استشعار الكتاب على اختلافهم بالانتماء إلى بقعة من الأرض وإلى كيان سياسي محدد ومجتمع يأتلف ضمن ذلك الكيان ينشئ هوية يصطبغ الأدب بصبغتها تدريجياً . ومن هنا فالمصطلح قادر على تفسير جزء من الظاهرة الأدبية إن لم يكن الظاهرة بأكملها .
أحد الأسباب الرئيسة لوجود المصطلحات هي الحاجة البحثية والمعرفية، حاجتنا كدارسين إلى ضبط الظواهر التي تنزع للتفلت من عقال اللغة الوصفية . المصطلح يلم الظاهرة، ولكن المطلوب هو البحث عن ذلك المصطلح الأقدر على تحقيق الهدف .
"الأدب الخليجي" مصطلح مثل "أدب الجزيرة العربية" لا يعدو أن ينسب الأدب إلى مكان، لكنه لا يستطيع رسم ملامح أو سمات . ومن هنا جاءت محاولات البحث عن مصطلحات أخرى، وكان من تلك ما اقترحته في بداية اشتغالي بدراسة أدب المنطقة قبل حوالي خمسة وعشرين عاماً، حين قلت "ثقافة الصحراء" . كنت أعلم بقصور ذلك المصطلح أيضاً ولم يتردد الكثيرون في تنبيهي لذلك . لكني رأيت وما زلت أرى في ذلك المصطلح بعض القيمة . فأي قيمة هي؟
استعملت "ثقافة الصحراء" لأشير إلى الحنين الذي ربط بعض الإنتاج الأدبي، وربما كثيراً منه، بالثقافة التي ابتعدوا عنها بمجيء المدنية . هو الحنين إلى ثقافة البدوي، ثقافة البر والرمال والأهازيج، وأهم من ذلك إلى أنفة البدوي ونقاء الصحراء . صورة رومانسية بالطبع، وبعيدة بالتالي عن أي جوانب سلبية وواقعية لحياة الصحراء وما فيها من قسوة . لكن قارئ الأدب الذي أشير إليه، وهو أدب استللت نماذجه من أدب المنطقة، من السعودية وغيرها، وإن لم يكن بالشمولية التي كان ينبغي أن تكون عليه، سيشعر أن تلك الصورة على رومانسيتها جاءت نتيجة لمواجهات ثقافية أثرت في هوية أبناء المنطقة سلباً ودفعت بهم إلى التمسك ببعض ثوابت الحياة أو البيئة بوصفها مستنداً لهوية مستقرة أو واضحة المعالم . فحين يصف شاعر سعودي مثل محمد الثبيتي نفسه بالبدوي، وهو أبعد ما يكون عن البداوة في أسلوب حياته وثقافته، أو حين تتحدث شاعرة مثل سعدية مفرح في الكويت عن الصحراء والخيام ونقاء البداوة، أو حين نجد ما يشبه ذلك لدى شاعر عماني مثل سيف الرحبي، أو أحمد راشد ثاني في الإمارات، أو علي الشرقاوي من البحرين أو غير هؤلاء من شعراء المنطقة، فإن الهاجس الذي ينبغي أن نلمسه هو هاجس الهوية والانتماء وليس الصدور الفعلي عن المكان . ذلك الهاجس ترك أثره ليس فقط على الجانب الموضوعي أو الثيمي في الشعر وإنما أيضاً على جماليات اللغة والصورة والإيقاع . ولا أظن أن من المصادفة أن يكون بعض ذلك الشعر من أبرز ما أنتجته منطقة الخليج في العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل .
هل أبالغ لو قلت أيضاً إن بعض ذلك الشعر من أبرز ما أنتجه الوطن العربي ككل في الفترة نفسها؟ لا أعتقد، فلا شك أن الناظر في المشهد الشعري المعاصر في منطقة الخليج (والجزيرة العربية طبعاً) سيجد أسماءً لها حضورها البارز عربياً وأن الشعر من هذه المنطقة صار الآن مكوناً أساسياً ومهماً من مكونات الشعر العربي المعاصر . سيصعب على أي منتخبات شعرية أو قصصية، مثلاً، أن تنشر مع تجاهل شعر المنطقة وقصصها القصيرة، ولعل المنتخبات المترجمة إلى الإنجليزية التي أصدرتها سلمى الخضراء الجيوسي أحد الشواهد على ذلك، والشواهد الأخرى كثيرة .
وما يقال عن الشعر يمكن أن يقال عن السرد . القصة القصيرة ثم الرواية حالياً تمثل حضوراً لافتاً وقوياً في المشهد السردي العربي المعاصر، وما فوز عدد من الروائيين الخليجيين بالجوائز العربية ووصول عدد من الروايات للقوائم النهائية في عدد من الجوائز، لاسيما جائزة البوكر، إلا دليلاً ساطعاً على ذلك .
غير أن هذه أمور واضحة ولا تحتاج إلى تأكيد . ما يحتاج إلى إنعام النظر والتأكيد هو نوع المساهمة التي يقدمها الشعر والسرد الصادران من هذه المنطقة . لاشك أن قيمة المساهمة، أي احتلال أدب المنطقة مكانة بارزة على خريطة الإبداع العربي ككل مؤشر بحد ذاته على كون ذلك الأدب يمثل إضافة نوعية، أي إضافة مختلفة عن غيرها، فهو ليس مجرد تكرار أو تقليد لغيره، وإنما يحمل سمات مختلفة . السؤال هو: ما هي تلك السمات؟ والسؤال يعيدنا مرة أخرى إلى سؤال الهوية وإلى المصطلح .
ذلك السؤال يتلخص في التالي: ما هي الإضافة الإبداعية التي مثلها أدب هذه المنطقة من حيث هو يحمل ملامحها التاريخية والجغرافية والثقافية والاجتماعية بحيث تمكن لملمته تحت سقف مصطلح مثل "الأدب الخليجي"؟ كيف انعكس ذلك جمالياً أو أدبياً على النصوص بحيث يمكن لأحد أن يقول هذا أدب من تلك المنطقة وليس من غيرها؟ ليس بمقدور هذه الملاحظات على تقديم إجابة وافية عن السؤال لكنها ستقدم بعض ما قد يؤدي إليه . لكن السؤال نفسه قد يكون محل تحفظ لدى البعض من منطلق أنه يقيد الإبداع ضمن بيئة معينة، ومع ذلك سأذكّر بالمقولة الشائعة بأن العالمي ينطلق من المحلي . أهم ما أنتجته البشرية من أعمال جاءت منغرسة في بيئتها، منطلقة من اختلافها وتفاصيلها، من شكسبير إلى دوستويفسكي إلى ماركيز إلى نجيب محفوظ . لكن ذلك ليس وحده ما ميزها، فما أكثر الأدب المحلي الذي لا قيمة تذكر له . التميز يأتي من قدرة الكتاب على قراءة العالمي في المحلي، استلهام البيئة القريبة بقضاياها ذات البعد الإنساني والتعبير عن ذلك بلغة وأبنية شعرية أو سردية أو مسرحية يستطيع الآخرون من غير أبناء البيئة أن يتواصلوا معها ويتذوقوا الجميل المؤثر فيها . تلك هي المعادلة الصعبة التي لاشك أن لدينا في الخليج أعمالاً تحققها، ناهيك عن الأدب العربي ككل . لذا نعود بالسؤال إلى الأدب العربي في منطقة الخليج لنتساءل عن منطقة الاختلاف والتميز من ثم (لأن التميز ليس مجرد اختلاف وإنما هو اختلاف نوعي) .
السمات:
في تقديري أن من أهم القضايا التي تحولت إلى سمة رئيسة في أدب المنطقة هي قضية التحضر، أو قضية المرور عبر برزخ الحداثة من مجتمعات بدوية أو زراعية أو بحرية بسيطة وشبه متحضرة إلى مجتمعات تعيش إشكاليات التحديث في القرن العشرين ثم الواحد والعشرين . هذه قضية كبرى ليس في أدب المنطقة فحسب، وإنما أيضاً في مناطق كثيرة من مناطق الوطن العربي وفي ما يعرف بالبلاد النامية ككل وإن تفاوتت في الأشكال والمستويات والآثار . البعد الجغرافي يقول لنا بوضوح إن منطقة الخليج منطقة صحراوية أولاً وريفية وبحرية ثانياً . وأدب المنطقة مضطر للتعامل مع هذا الواقع لأن البيئة تفرض نفسها سواء وعى الكاتب ذلك أم لم يعه، لكن الكتاب المتميزين بالوعي وبالإمكانيات الأدبية الخلاقة واعون دائماً بتلك الإشكالية وإن تعاملوا معها بطرائق مختلفة . يقول الشاعر العماني المعروف سيف الرحبي:
"في هذه الصحراء العاتية
الصحراء التي تسيل مع الشمس كثباناً وشياطين
تناسل الأسلاف جداً بعد جد
ونبتنا مصل أشجار صخرية
راكضين بين الشاطئ والجبل
بأرجل حافية وقلب مكلوم" .
وتقول سعدية مفرح من الكويت:
"الصحراء؟!
يا لوحشة البيت المتسع
وفراغه البائس المخيف
الصحراء إذاً؟
يا لوحشتها في فضاء المدن التي تعرضّ وتطول
شوارعها بسرعة" .
ويقول الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني مخاطباً بلاداً كانت قاسية على أهلها ما بين الصحراء والبحر:
"على الطريق أكلتِ مستقبلهم
ينتعلون بقايا الآبار
جعلت على سيقانهم
هزائم الرمل
ولحريتهم السماء
موضوعة على الأرض" .
أما الروائية السعودية أميمة الخميس فتنظر إلى العلاقة من زاوية سردية نثرية أقل غنائية وعاطفية بطبيعة الحال وهي تصف حال أسرة سعودية في ستينات القرن الماضي تقريباً تواجه في شهر رمضان إشكالية التحول من حولها بحلول التحضر وما يحمله من اتساع المدن وتكاثر المؤثرات الثقافية الاجتماعية على النحو الذي ينعكس في أدق التفاصيل:
يقتربون من الطعام ببضع تمرات وبضع حسوات من القهوة والماء، ثم يتجهون لصلاة المغرب، وبعدها يعودون للطعام بوقار وحذر، لاحقاً تسلل إلى هذه المائدة المتقشفة الحذرة قمر الدين والعرق سوس والجلاب والتمر هندي، وكانت كل حضارة تدس لها صحناً على مائدة الإفطار الرمضاني في الرياض .
هذه النماذج ليست كافية للتدليل على أي شيء، لكنها مؤشرات تحمل في طياتها الكثير مما تمتد شبكته لتشمل عدداً آخر من الكتاب والأعمال والتي في مجموعها تشكل ظاهرة سعيت في عدد من الأوراق البحثية والكتب أن أتتبعها، مثلما سعى غيري، تدفعنا إلى ذلك الرغبة في معرفة معالم المشهد الإبداعي بشكل عام في منطقتنا بوصفها جزءاً من مشهد عربي وعالمي يحمل المتغير والثابت .
لو عدنا إلى النصوص المقتبسة هنا لوجدنا أنها تتراوح بين قطبين، الإنسان والمكان، وتسعى جميعأً، وبطرائق متفاوتة، إلى رسم هوية لقطبيها . سيف الرحبي مشغول بالإنسان الذي يشير إليه بفعل "نبتنا"، أي نحن الجيل الحالي أو الجديد . ذلك الإنسان مرتبط من حيث البنوة أو الأصل بأسلاف هم في نهاية المطاف مرتبطين بالصحراء العاتية . في قصائد أخرى كثيرة، كما في توجهه العام، ليس الرحبي بدوياً وإنما هو مثقف حداثي موغل في تبني ثقافة مغايرة تماماً لما في الصحراء، وليس نصه بلغته وبنائه إلا أحد الشهود على ذلك . لكن الشاعر يرى نفسه رغم ذلك متجذراً في بيئة يصعب الانعتاق منها أو الخروج عليها على النحو الذي قد يتخيله البعض، ووصف الشاعر لتلك البيئة لا يدل على إعجاب كبير، لكنها الحقيقة التي يراها .
موقف الرحبي ينسجم إلى حد ما مع موقف أحمد راشد ثاني في نظرته غير الرومانسية إلى الصحراء ومعاناة الإنسان فيها، لكن الصحراء ليست بؤرة الرؤية هنا، وإنما تتجه النظرة المركزة إلى البلاد القاسية ببحرها وبرها .
هذان الموقفان من الصحراء والإنسان يأتيان نقيضاً لموقف الشاعرة الكويتية سعدية مفرح التي ترى الوحشة في البيت والمدينة لا في الصحراء . المدينة هي العاتية هنا في رؤية تحتمي بالصحراء لا بالحضارة . ولو تساءلنا عن شعرية النص لدى سعدية فسنجده في المفارقة التي تقيمها القصيدة حين تعكس التوقع أو المألوف من تصوير الصحراء بوصفها مصدر القسوة، كما لدى الرحبي وأحمد راشد ثاني . فعلى أي شعرية ينهض يا ترى نصا الشاعرين، الرحبي وثاني إذاً؟ لدى الرحبي سيطالعنا مجاز رئيس يمزج المكان بالإنسان في مماهاة كونية تدخل فيها الشمس بحرارتها التي تتشارك مع الصحراء في إنبات الكثبان والشياطين ليتناسل الإنسان من ذلك . فهي إذاً صورة مجازية وبانورامية ذات بعد أسطوري يترك أثره في الملتقي من خلال تداخل عنصري الطبيعية بالإنسان على نحو غير مألوف . وهذا البعد الأسطوري غائب تماماً عن نص أحمد ثاني، لكن الحاضر فيه هو المفارقة الساخرة والمأساوية الناتجة عن تأمل الإنسان وهو يفقد مستقبله على الطريق الذي اعتدنا أن نراه مرتبطاً بالوعد والأمل . هنا يصير الطريق تآكلاً للماشين عليه في صورة تنسجم مع الصور المجازية التالية لتحول بقايا الآبار إلى نعال لأناس يهبطون إليها فلا يجدون ماء وتحمل سيقانهم هزائمهم في معادل موضوعي لهزائمهم هم . أما الحرية فمؤجلة في سماء أو مستقبل بعيد .
هذه النصوص لثلاثة من أبرز شعراء منطقة الخليج تحمل رؤى متنوعة تحملها لغات شعرية تختلف باختلاف الشعراء واختلاف أساليبهم الشعرية، لكنها رؤى تأتلف بقدرما تختلف . تأتلف حول قلق وجودي للإنسان في بيئة يصعب عليه التآلف معها، سواء كانت الصحراء القاسية أم المدينة القاسية أم تصرفات الإنسان نفسه إزاء إنسان آخر . وقارئ هؤلاء الشعراء سيجد أن ما يقولونه هنا لا يخرج عما يقولونه أو يرسمونه في مواضع أخرى من أعمالهم التي أتيح لي أن أطلع على الكثير منها، بل هي موضوعة أو ثيمة رئيسة في تلك الأعمال .
ويمكن أن نقول شيئاً مشابهاً حول ما تقوله رواية الكاتبة السعودية أميمة الخميس "البحريات" في تصويرها لمشهد الأسرة المجتمعة على الطعام في إفطار رمضان . الأثر الرقابي لثقافة صحراوية متوارثة تتسم بالتجهم والخوف من الآخر تجعل متعة الطعام متعة حذرة ومواربة على الرغم من انتقال الحياة من الصحراء إلى المدينة وتنامي مظاهر التحديث في مجتمع يسعى لتغيير أنماط عيشه . غير أن صرامة التأثير الصحراوي يظل أقل من ذلك الذي يعلن عنه الرحبي أو أحمد راشد ثاني سواء في درجته أو في النبرة العاطفية الفردية التي يصدر عنها النص الشعري . في السرد الروائي تخفت نبرة الفرد ويعلو صوت المجتمع ليطغى الحدث والتحليل على المشاعر الفردية، ما يجعل الرواية على الرغم من وصفها لمجتمع يدلف ببطء وحذر إلى الحالة المدنية بعيداً عن ثقافة البراري هي الشكل الأقدر على حمل دلالات يصعب على القصيدة بشكلها الرومانسية خاصة أن تحمله .
إن انتشار السرد في أدب منطقة الخليج مؤشر بحد ذاته على التحول المدني وعلى نوع مختلف من الإسهام الإبداعي الذي تقدمه المنطقة باقتدار إلى أدبنا العربي . لكن الإسهام يظل في مجمله متنوعاً وثرياً ليس بأشكاله المختلفة فحسب أو بلغته وإنما بذلك الاختلاف الذي سعت الملاحظات السابقة إلى تبينه ورسم ملامحه، أقصد صدور الأدب عن بيئته الخاصة بدلاً من محاكاة بيئات أخرى، الأمر الذي يمنحه شخصيته المتفردة ضمن التنوع الواسع في المحيط العربي .

* محاضرة د . سعد البازعي في ندوة الثقافة والعلوم في دبي