اهتمام كل من طرفي العلاقة الزوجية بوالدي الطرف الآخر أكثر الأمور التي تساعد في تقوية العلاقة العاطفية بين الزوجين، ومظاهر هذا الاهتمام تكون بالاحترام والتقدير والرعاية، لكن للأسف الشديد لم يعد للود والرحمة وجود بين الكثير من الأسر المتصاهرة، وأصبح من الطبيعي أن نسمع ونقرأ عن الرجال الذين يقاطعون أسرهم وذويهم إرضاء لزوجاتهم، فنجد شاباً يودع أمه في دار المسنين من أجل إرضاء زوجته، وآخر يضرب زوجته أمام الناس لأنها تريد زيارة والديها .

كشفت دراسة اجتماعية حديثة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 45% من الخلافات الزوجية التي تصل إلى محكمة الأسرة منشأها خلافات بين الحماة وزوجة الابن تنعكس آثارها سلباً على الزوج ثم على الأسرة كاملة، وبينت الدراسة أن الكثير من الزوجات يتهمن حمواتهن بالغيرة الشديدة على أبنائهن ورغبتهن في السيطرة على زوجة الابن .

عرضنا هذه القضية للمناقشة مع عدد مع علماء الشريعة والاجتماع والنفس لمعرفة الأسس التي وضعها الإسلام لتعامل الزوجة مع أهل زوجها وتعامل الزوج مع أهل زوجته وهل من حق الزوج منع زوجته من زيارة أهلها؟ وما الحدود الشرعية لطاعة الزوج خاصة إذا ما ترتب عليها قطع للرحم؟

البعد الاجتماعي

في البداية يؤكد الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق أن انتشار هذه الظواهر المرضية ليس له سوى تفسير واحد هو أن الحب والحنان قد ضاع واختفت الرحمة من حياتنا الاجتماعية مع اختفاء تعاليم ومبادئ الإسلام، فالأسر المتصاهرة أصبحت تدخل في منافسة حامية للتدخل في حياة الزوجين، خاصة أم الزوج وأم الزوجة وهذا ما يخلق الكثير من المشكلات والأزمات .

ويقول: الزوج الملتزم بشرع الله يقابل طاعة زوجته له وإحسانها إليه بالإحسان إليها وإلى أهلها، فيعاملهم معاملة طيبة ولا يفكر على الإطلاق في حرمانها من زيارتهم، والزوجة الصالحة هي التي تعرف حق زوجها وفضله فتقوم بكل ما يجعله يسكن إليها من تودد وتجمل فتشعره بالرضا والاكتفاء، والطاعة والمعاشرة بالمعروف والإحسان إلى أقاربه وصلة أرحامه، وتفقد أحوالهم وعدم التذمر من الإحسان إليهم . وحق الزوج في الطاعة يقتضي مبادلة الإحسان من جانب الزوجة بالإحسان إليها، وذلك بأن يكون زوجاً سهلاً كريماً سمحاً لا يحمل زوجته على معصية، مثل أن يمنعها من زيارة أهلها، فهذه قطيعة رحم، ويتحلى في علاقته معها ومع أهلها بالصبر فلا يتصيد لهم الأخطاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر .

ويضيف: وعند التعامل مع هذه المشكلات فإن طرح الحكم الشرعي وحده لا يكفي بل يجب مراعاة البعد الاجتماعي، فالزوج له حق الطاعة على زوجته في أمرين أساسيين، هما المتعة وملازمة البيت، فلو عصته في واحدة منهما كانت ناشزاً وتسقط نفقتها . وهناك الكثير من الأحاديث النبوية التي نهت عن عصيانها في ما يجب عليها . فقد روي أن رجلاً كان على سفر وطلب من زوجته ألا تنزل من الطابق العلوي إلى الطابق السفلي وكان أبوها فيه مريضاً فاستأذنت النبي في زيارته فأمرها بأن تطيع زوجها فمات أبوها ودفن ولم تنزل، فأخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله غفر لأبيها بسبب طاعتها لزوجها .

في المقابل والكلام للدكتور نصر فريد واصل، لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها لأنه يمنعها من زيارة أهلها، فهذا ليس ضرراً يستوجب الطلاق، والضرر الذي سيحدثه الطلاق من هدم الأسرة وتشريد الأبناء سيكون أكبر من الضرر الواقع على الزوجة إذا لم تقم بزيارة أهلها، والزوجة العاقلة تستطيع أن توفق بين طاعتها لزوجها وطاعتها لوالديها من دون أن تثير المشكلات، فقد تقوم ببر والديها وصلة رحمها عن طريق الهاتف أو إرسال خطاب أو زيارتهما لها في بيت الزوجية، كل ذلك من أجل مصلحة الحياة الزوجية .

واجب شرعي

الدكتور صبري عبدالرؤوف، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، يرى أن الزوجة العاقلة هي التي تحسن إلى أهل زوجها وتتعامل مع والدته على أنها أمها، بل وتزيد وتتعامل مع أهل زوجها على أنهم أهلها فهم أصبحوا فعلاً كذلك منذ انعقد زواجها، فأمها وأبوها لا يزيدان على أم زوجها وأبيه . ويقول: ولابد على الزوج أن يختار زوجة تحب أهله وتقبل عيش أمه معه في سلام بحيث لا يأتي اليوم الذي تتذمر فيه من رعايته لأمه، وتطلب منه أن يودعها في دار المسنين، ولتعلم كل زوجة أن للرجل أماً وأباً ربياه صغيراً وحافظاً عليه حتى صار رجلاً سوياً، وبالتالي فيجب عليه أن يكرمهما كما أمره المولى عز وجل، وأحياناً تكون الزوجة عقبة في طريق إكرام الرجل لأهله وخاصة الأب والأم، فتحاول بشتى الطرائق أن تستأثر بالزوج إما بالسكن وحدهما بعيداً عن والديه وإما باصطناع المشكلات معهما .

ويضيف: لكن الزوجة التي تسيء إلى أهل زوجها تكون قد تخلت عن مشاعر المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف التي أمر بها الإسلام، فمن واجبات المرأة تجاه زوجها التي ألزمها بها الإسلام أن تكرم أهله وأن تحسن إليهم حتى تتكون بينهما علاقات حميمة، وكذلك يجب على المرأة أن تربي أبناءها على محبة أهل زوجها وتقديرهم، لا أن تغرس فيهم عداوتهم وبغضهم فينشأ الصغار مناصبين لأهلهم العداء وقاطعين لأرحامهم .

ويشير الدكتور صبري عبدالرؤوف إلى أن محبة الزوجة لوالدي زوجها وبرها لهما يعتبر أفضل طاعة للزوج وأعلى إكرام وأعظم وفاء له، ذلك أنها بهذا الفعل تعين زوجها على برهما وعلى صلة أرحامه وأقاربه فتحميه من عقوق الوالدين وقطع الأرحام، لكن الزوجة ليست مطالبة أو ملزمة شرعاً بخدمة أم زوجها أو أهله، وإن فعلت ذلك فمن باب الفضل وليس الإلزام، وهو من باب حرصها على بر زوجها وإرضائه، لكنها إذا ضاقت حالاً منهم ومن خدمتهم ولم تعد تستطيع تحمل ذلك فلها أن تطالب زوجها بإعفائها من هذه المهمة .

ويحذر الدكتور عبدالرؤوف الزوج من تلبية مطالب الزوجة والسعي لمرضاتها على حساب أهله وعلاقته بأمه خاصة وأسرته عامة ويقول: الإساءة إلى الأهل وإهمال رعاية الأب والأم والأخوة إرضاء للزوجة من أعظم العقوق، فالزوج الذي يتقي الله يجب أن يرضي أمه وأباه بكل الوسائل الممكنة، فقد قال المولى عز وجل: ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً فلها عليه حق الحمل والرضاعة والتربية، وكل ذلك يوجب عليه عدم إغضابها، وعليها أيضاً ألا تكلف ولدها ما لا يطيق بإصرارها على إفساد الحياة الزوجية بينه وبين زوجته، فالأصل أن تحرص على راحته وأن توفق بين رغباتها ورغباته، وإذا كان ابنها حريصاً على جبر خاطرها فإن عليها أن تعلم أنها إذا أفسدت حياته فسينقلب حبه وبره جفاء وكرهاً لما يصيبه بسبب ذلك من أضرار قد يؤدي ذلك إلى الطلاق وهدم أسرة وتشريد أطفال، وتحدث مشاكل قد ينوء بحملها الزوج والزوجة وينعكس أثر ذلك على الأم .

محاولة فاشلة

يرى الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأزهر أن الزوج مطالب بأن يبر والدي زوجته كما يبر أهله وكما يحب أن تتعامل زوجته مع والديه، كي تزيد العلاقة حباً وألفة ومودة بينه وبين زوجته، لذلك فإن سلوك الزوج الذي يحرم زوجته من زيارة أهلها سلوك شاذ لا يقبله دين ولا يقره عرف .

ويقول: بعض الزوجات يكن مسؤولات عما يحدث بين أزواجهن وأسرهن من خلافات تتحول إلى نزاعات، فالزوجة العاقلة هي التي تتدخل دائماً لإنهاء ما قد يحدث بين زوجها وأسرتها من خلافات، لكن ما يحدث للأسف أن كثيراً من الزوجات هن في واقع الأمر سبب مباشر في هذه الخلافات وتطورها ثم تشكو بعد ذلك من قسوة زوجها في التعامل مع أسرتها .

ويضيف: كل زوجة تستطيع بسهولة تذليل الخلافات بين الأسرة والزوج وذلك بأن تحاول جاهدة تحسين وتجميل صورة زوجها في عيون أسرتها وصورة أسرتها وفي عيون زوجها، ولا ينبغي أن تعاند الزوجة وتخرب بيتها بعنادها وإصرارها على أن تجعل أسرتها في المرتبة الأولى قبل زوجها وأولادها .

ويرى الدكتور نبيل السمالوطي أن الزوجة التي تحاول إبعاد زوجها عن أهله وكذلك الزوج الذي يحرم زوجته من رؤية أهلها وبرهم فإنه يحكم بذلك على حياته الزوجية بالفشل، لأن كلاً من الزوج والزوجة لن يستطيع الانفصال عن أسرته مهما فعل، فمحاولة نزع النفس من الجذور والاستغناء عن الأهل والتصور أن الحياة بعد ذلك ستكون مستقرة وسعيدة، محاولة فاشلة فلا يستطيع كل من الزوج ولا الزوجة أن يحيا من دون أهله مهما كانت درجة الاستقلال عنهم .

وينصح الدكتور نبيل السمالوطي الأزواج بعدم التعنت مع الزوجة وحرمانها من زيارة والديها ويقول: ليفكر كل زوج يحرم زوجته من بر والديه ماذا ستشعر الزوجة حين ذلك، فهي حتى إن بقيت في بيت الزوجية وعاشت معه لن تكون هذه الحياة هادئة مستقرة لأنها من دون أن تشعر ستتصيد له ولأسرته الأخطاء، ولن تنسى أبداً أنه يمنعها من زيارة والديها في حين أنه يبر والديه وأسرته ويطالبها بمشاركته وربما ستتعامل أسرته بالمثل وتقاطعهم فتكون النتيجة أن يعيش الزوجان في عزلة عن أسرتيهما وتزداد المشاحنات بينهما فيخرج أولادهما يحملون من العقد النفسية ما لا يعد ولا يحصى .

ويضيف: الزوجة العاقلة تستطيع أن تكسب ود زوجها وتعاطفه معها حينما تشعره بأنه الأول والأخير لها، لكن في الوقت نفسه لا تستطيع أن تمتنع عن بر والديها خوفاً من عقاب الله عز وجل . وفي المقابل تبادر دائماً ببر والديه ولا تختلق المشكلات معهم حتى وإن كانا لا يعاملانها بالحسنى وقتها سيحرج منها زوجها ولن يقدم أبداً على منعها عن أهلها .

الخصوصية

كيف تكسبين حماتك؟

عن علاقة الزوجة بأهل زوجها يوضح الدكتور محمد عويضة أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس أن الشاب عندما يتزوج تشعر الأم بأن الزوجة قد جاءت لتخطف ابنها منها فتشتد غيرتها ويؤثر ذلك بشكل كبير على علاقتها بزوجة ابنها . وفي المقابل تشتد غيرة الزوجة من أم زوجها إذا رأت من زوجها اهتماماً بأمه أكثر من اهتمامه بها . وتنسى الزوجة أنها زوجة وأن عليها أن تعامل أم زوجها مثل معاملتها لأمها أو أفضل كنوع من البر لزوجها ووصولاً إلى حياة مستقرة هادئة .

ويؤكد الدكتور عويضة أن معظم مشكلات الزوجة مع أهل زوجها يكون في ما يتعلق بالخصوصية، فالحماة شريك مراقب للحياة الخاصة بين الزوجين والزوجة دائماً ما ترى أن خصوصيتها مرصودة من أهل زوجها، وكذلك الزوج الذي يعتبر أن أي تمرد من جانب زوجته يكون نتيجة لتدخل أسرتها في شؤون الأسرة وتوجيهها لابنتها بأن تتصرف مع زوجها بشكل معين .

وبالتالي يحدث كبت لكل من الزوجين، وكل منهما يشعر بأن هناك رقيباً لا يستطيع في ظل وجوده أن يعيش بحرية وفي هدوء وسلام . كما أن كل أم تشعر بأن الزواج يقطع الحبل السري بينها وبين ابنها أو ابنتها، فالأم تريد أن تكون ابنتها تحت مظلتها بحيث تظل قريبة منها، وكذلك أم الزوج تريد ألا يخرج ابنها عن طاعاتها فتبدأ كل منهما في التدخل وإفساد حياة الأبناء .

وهكذا تسير الحياة الزوجية أشبه بصراعات ساحات القتال، فالزوجة تميل إلى أمها دائماً، وتعتبر حماتها نداً لها وأنها مصدر كل القلاقل التي تحدث بينها وبين زوجها، هذا بخلاف المشاحنات التي تكون بين أم الزوجة وأم الزوج لذلك تكره حماتها وتعتبر أي تعنت من الزوج نتيجة تحريض من الأم .