الغيرة المعتدلة من الأمور المحمودة التي تؤكد عمق العلاقة بين الزوجين فهي توابل الحب والعشرة بينهما، القليل منها يضبط العلاقة والكثير منها يفسدها ويعجل بانتهائها، فعندما يفرط أحد الزوجين في غيرته على الطرف الآخر يكون سبباً في الطلاق وتدمير العلاقة في أسرع وقت. لكن للأسف أن الكثير من الأزواج والزوجات لا يستطيعون التفريق بين الغيرة المعتدلة المطلوبة شرعا وتلك الغيرة المدمرة التي تصل إلى الشك أحيانا وسريعا ما تنتهي الحياة الزوجية بالانفصال أو وقوع جريمة بشعة يرتكبها أحد الطرفين مندفعا تحت تأثير غيرته العمياء يدفع الطرف الآخر حياته ثمنا لها.

فقد كشفت دراسة نفسية اجتماعية جديدة أن 64% من جرائم قتل الزوجات ترجع إلى غيرة الأزواج وشكهم في سلوك زوجاتهم، وأوضحت الدراسة التي أعدتها باحثة بجامعة الإسكندرية أن العنف ضد المرأة في بلادنا العربية تحركه غالبا عادات وتقاليد وشعور كثير من الرجال بامتلاك المرأة والسيطرة على كيانها كله.

طرحنا قضية الغيرة الزوجية للمناقشة مع عدد من علماء الإسلام والاجتماع وعلم النفس لتحديد المباح والمحظور في الغيرة الزوجية وتوضيح الخطوط الفاصلة بين الغيرة المحمودة التي يحث عليها الإسلام وبين الشكوك والأوهام التي تسيطر على عقول بعض الرجال وتدفعهم إلى ارتكاب حماقات ضد زوجاتهم أو العكس.

انفعال نفسي

بداية يؤكد الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر أن غيرة الرجل على زوجته والزوجة على زوجها من الأمور المحمودة التي تؤكد عمق العلاقة بين الزوجين ويقول: الغيرة صفة إنسانية وانفعال نفسي يترجم عن رغبة الشخص في أن يكون وحده محور الاهتمام ممن يغار عليه، فالغيرة تحرك نفسي طبيعي جدا لا عيب فيه، ما دام في حدوده العادية والمعقولة إذا كان من الزوج على زوجته، بل عدم الغيرة قد يؤدي إلى رؤية مواقف وتصرفات من بعض النساء يرفضها الشرع كخلو المرأة برجل أجنبي عنها، أو الوجود معه في مواقف مريبة، فالغيرة الطبيعية التي لا مغالاة فيها ولا مبالغة وهي من كونها معبرة عن حب الزوج لزوجته والتمسك بها والحرص عليها فإنها أيضا في الوقت نفسه منبه للزوجات ألا يضعن أنفسهن في مواقف تدعو الأزواج إلى الغيرة.

ويضيف: وإذا رفض الزوج صدور مثل هذه الأفعال من زوجته يقولون إنه شديد الغيرة عليها لكن هذا مطلوب من الأزواج لمنع ما هو غير مشروع، فكل زوج مطالب بأن يغار على حرمات الله التي تمنع ما يمنعه الشرع، لكن لا تصل إلى الحد المبالغ فيه وإلا انقلبت إلى شك في سلوك الزوجات دون مقتضى أو داع يدعو إلى ذلك. وهذا هو أحد الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى الانفصال بين الزوجين.

كما أنه ليس على المرأة حرج والكلام على لسان د.رأفت عثمان أن تغار على زوجها وتتابع تحركاته وسلوكياته لكن لابد أن يحدث ذلك في حدود الاعتدال وعدم الشك لأن الشك يدمر الحياة الزوجية.

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أقر بذلك. حيث كانت زوجاته تحكمهن الغيرة في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول لهن غارت أمكم أي حواء. كما قال صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم على أهله فوجد رجلا يزني بامرأته فليخرج ليلتمس البينة قال له أحد الصحابة: يا رسول الله أيدخل أحدنا على أهله فيجد رجلا يزني بامرأته ثم يخرج يلتمس البينة؟ والله لئن وجدت ذلك لقتلتهما بسيفي هذا، فقال له الرسول: يا سعد إنك لتغار، وإني لأغير منك والله أغير منا.

ويضيف: هذا إقرار من رسول الله عليه وسلم بوجوب غيرة الزوج على زوجته ولكن ينبغي أن يفهم الزوج أن حدود الغيرة على الزوجة لا يمكن أبدا أن تصل إلى سوء الظن بها، واتهامها في عرضها وشرفها لمجرد أوهام فقط أو بادعاء الغيرة عليها.

فمعنى غيرة الزوج على زوجته كما يؤكد الدكتور رأفت عثمان أن يصونها ويحترمها ويبعدها عن كل ما يلحق بها الأذى أو يجلب لها الضرر، بحيث لا تنظر إلى غيره ولا تتصرف بما يسيء إلى سمعتها أو يخدش حياءها أو يؤدي إلى امتهان كرامة الزوج، لأن كل أمر سيئ يعود على الزوجين معا، فكلاهما كاليدين تعاون إحداهما الأخرى ويكفي أن الله عز وجل يقول: هن لباس لكم وأنت لباس لهن.

الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر لا تجد عيبا في سلوكيات الرجال الذين يغارون على زوجاتهم أو بناتهم وتقول: انطلاقا من قول الله تعالى في تصوير العلاقة الزوجية بقوله: هن لباس لكم وأنت لباس لهن وقوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف فإن الإسلام أباح لكل من الزوجين الغيرة على الآخر في حدود الاعتدال وعدم الشك، حيث إن هذا الشك يدمر الحياة الزوجية. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أقر ذلك في أحاديث كثيرة وحث أصحابه عليها.

وتضيف: فالغيرة فطرة في النفس الإنسانية والزوج الذي لا يغار على زوجته سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بالديوث أي الذي ليس عنده إحساس أو نخوة أو حرص على زوجته من حيث أنها تتزين أمام الأجانب، أو تتبرج وتعرض جسمها أمامهم، ولحرص الإسلام على العلاقة الزوجية أباح لكل من الزوجين حب الآخر والحرص عليه، حتى إن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال في تفسير قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تتزين هي لي.

والغيرة المسموح بها هي في محارم الله سبحانه وتعالى وحدوده، ومن هنا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر الزوجات من الاختلاط بأقارب الزوج من الرجال حيث قال: إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت والحمو هو أقارب الزوج من الرجال وما يحدث الآن في بعض الأسر من الإسراف في الاختلاط بين الزوجات وأقارب الزوج وأصدقائه الأجانب بما يترتب على ذلك من علاقات غير مشروعة تؤدي إلى هدم الأسر وتشريد الأبناء فيه تحذير وتنبيه لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين من حيث الغيرة المحمودة والحرص والنصيحة.

وعن حكم الزوجة التي تكذب على زوجها الغيور والشكاك في بعض الأمور حفاظا على استقرار أسرتها تقول الدكتورة سعاد صالح: الأصل في الكذب أنه حرام لما يسببه من أضرار على الفرد والأسرة والمجتمع، لكن الإسلام أباح الخروج عن هذا الأصل في حالات معينة. فقد قالت أم كلثوم رضي الله عنها: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح بين الناس، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها.

فليس من الحكمة أن تصارح المرأة زوجها بما كان لها من ماض عاطفي عفا عليه الزمن فتدمر حياتها الزوجية باسم الصدق الواجب، ولهذا كان الحديث النبوي في غاية الحكمة والصواب حيث استثنى ما يحدث بين الزوجين من كلام في هذه النواحي من الكذب المحرم، رعاية للرباط الزوجي المقدس.

مرض قاتل

ترى الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن المرأة بطبيعتها تحب الرجل الذي يغار عليها وكذلك الرجل يرفض الزوجة التي لا تغار عليه ويعتبرها متبلدة الحس وعندها لا مبالاة.. وتقول: البعض يرى أن الغيرة مرض قاتل في حين ينظر البعض الآخر لها على أنها ملح الحياة الزوجية لكن الغيرة في كل الأحوال شيء مطلوب بشرط ألا تزيد على حدها حتى لا تنقلب إلى كارثة أو جريمة مثل تلك التي نسمع عنها كل يوم.

وتحذر الدكتورة عزة كريم النساء من الإفراط في الغيرة على أزواجهن وتقول: إن الغيرة المبالغ فيها تدفع الرجل إلى التحايل على المتعة الممنوعة من شدة الكبت بطرق دينية والحوادث شاهد صدق على ذلك، كما أن هذه الغيرة الشديدة سرعان ما يلاحظها كل من يحيط بالزوجين وقد تجعل الناس يسيئون الظن بأحد الطرفين.

ولابد لكل زوج أن يعرف أن من حق زوجته أن تغار عليه من نظرات النساء ومن علاقاته بزميلاته في العمل ولا يغضب عندما تسأله كل يوم عن تفاصيل تصرفاته، وأن الزوجة أمام غيرتها وحبها لزوجها تكون مسلوبة الإرادة. كما يجب على الزوجة أن تتفهم أن زوجها لا يستطيع في مجتمع ذكوري 100% فلا يتعامل مع زميلاته وهذا ليس معناه أن تنشأ بينه وبين أحداهن علاقة حتى وإن بدأت بالصداقة.

سلاح ذو حدين

الدكتورة هناء أبوشهبة أستاذة علم النفس في جامعة الأزهر ترى أن الغيرة أمر مطلوب بين الزوجين لأن الحياة الزوجية التي تخلو من الغيرة تخلو من الشعور بالاهتمام والحب والرغبة في الاحتفاظ بالطرف الآخر ويمكن أن تؤدي إلى إفساد العلاقة الزوجية أو توترها والغيرة المفرطة التي تنقلب إلى شك تكون هي السبب في تدمير العلاقة بين الطرفين فالتطرف في أي شيء يعتبر حالة مرضية لا تخضع لنواميس الحياة الطبيعية. فنجد أنه في حالة استبداد الغيرة بالزوج يشك في سلوك زوجته بينما نجد زوجا آخر يندفع وراء مشاعر مضطربة ويرتكب جريمة القتل وفي ظروف أخرى قد يؤدي الشك أو الغيرة بأحد الزوجين إلى مستشفى الأمراض العقلية.

وتشير الدكتورة هناء أبوشهبة إلى أن الغيرة بنت الحب، لكنها لا تعني الامتلاك والأنانية حتى تكون غيرة محمودة، كأن يغار الزوج على زوجته في الخروج بملابس تلفت الأنظار، أو أن تكون عالية الضحكات، أو متباسطة مع الآخرين بلا حدود، وهكذا الزوجة تغار على زوجها إذا ما وجدت أنظار زوجها تتجه لغيرها، أو يكون هو موضع اهتمام الجالسين دونها، لكن أن تتحول هذه الغيرة إلى شك وظنون وشبهات وبحث عن إثبات بين طيات ملابسه فهذا خطأ فادح يدمر حياة الزوجين وينتهي بها إلى كارثة.