عُني القرآن بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد، وضميره، وشخصيته، وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظاماً للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وفي النهاية نظاماً للمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي. ومن هنا، فإن مدلولات البر، والإحسان، والصدقة تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل.
لقد وضع القرآن أسساً نفسيةً وأخرى مادية، لإقامة التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع الإسلامي. ولعل من أهم الأسس النفسية إقامة العلاقات المادية والمعنوية على أساس الأخوّة، لقوله تعالى: إنّما المؤمنون إخوةٌ، (الحجرات/10).
وربط الإيمان باستشعار حقوق الأخ، كما رتب على رابطة الأخوّة الحب؛ فلا يؤمن الإنسان المسلم، ولا ينجو بإيمانه، ما لم يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ويعيش معه كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وجعل العدل وحفظ الحقوق من قيم الدين الأساسية، بل نُدب إلى عدم الاقتصار على العدل وهو إحقاق الحق، أو إعطاء كل إنسان حقه من دون ظلم، وإنما الارتقاء إلى الإحسان، وهو التنازل له عن بعض الحقوق. ومن الأسس النفسية أيضاً، الإيثار، وهو عكس الأثرة والأنانية. والإيثار تفضيل الآخر على النفس، من أجل إشاعة جو العفو والرحمة، وهي الغاية التي جاءت من أجلها الشريعة.
وبدأ الإسلام بالأهم، فجعل التكافل علاقة تربط بين المرء ونفسه، فجعل الفرد مسؤولاً عن نفسه أمام الله؛ مسؤولاً عنها أن يزكيها ويطهرها، وأن يكفها عن شهواتها، وأن يقف لها بالمرصاد كلما هفت إلى غواية. وقرر أن هذه النفس مستعدة للفجور والتقوى، وأن على صاحبها أن يختار لها الطريق، وعليه تبعة ما يختار لها.
ولقد كلّفه أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها، وأن يمنحها حقها من العمل والراحة، فلا ينهكها ويضعفها.
وفي مقابل حرية الاختيار قرر الإسلام فردية التبعة، فكل إنسان وعمله. وبذلك يقف الإنسان من نفسه موقف الرقيب والكفيل، وهذا التكافل وإن كان فرديًا في ظاهره، إلا أنه في حقيقته تكافل اجتماعي بالمعنى الواسع الذي يعنيه الإسلام؛ ذلك أن تربية الفرد على هذا النحو إنما هي إعداد له في ميدان المجتمع، لأن الإسلام يوجه الفرد بعد هذه الخطوة إلى الإيثار والتعاون والتكافل مع الجماعة.
الأسس المادية
ولم يقتصر القرآن على بناء الأسس النفسية الثقافية للتكافل الاقتصادي والاجتماعي، وإنما وضع، أيضاً، أسساً مادية عملية لترميم الحاجات، كفريضة الزكاة، ونظام النفقات الواجبة، وتشريعات الميراث، والصدقات، والنذور، والكفارات. كما إنّه ندب أتباعه إلى نظام الوقف لأهمية دوره في مجال التكافل.
و تختزن الأيديولوجية الإسلامية في جعبتها الكثير من الأفكار، والقادرة على أن تمنح هذه الأمة مقوّمات الصمود، وتساعدها على اجتياز مختلف التحديات التي تواجه مسيرتها، أيّاً ما كانت ميادين هذه التحديات وطبيعتها.
إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك؛ حيث يقول: من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. قال سعيد الخدري: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.
هذا الحديث يحدد أنه إذا كان في المال النقدي أي فضل أو فائض، فإنّ هناك إنفاقاً لهذا الفضل، فليعد على من لا فضل له، والكنز منهي عنه بنص الآية، يقول الله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا يُنفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليمٍ، يوم يُحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تَكنزون، (التوبة: 34 - 35).
ومن هنا، فإن الأموال إذا لم تؤد منها الحقوق، وأولها الزكاة، كانت كنزاً، وإذا أُديت زكاتها ومُنِعَت بقية الحقوق الواجبة فيها، فلن يفارقها وصف الكنز، ومن ثم، فليس من حق المسلم إمساك المال النقدي عن الحقوق التي جعلها الله تعالى فيه.
ومن الحقوق في المال، استخدامه في ما يعود بالنفع على المسلمين، من بناء الاستثمارات، وإقراض المحتاج، وإطعام الجائع، وتعليم الجاهل، وعلاج المريض، وغير ذلك من ضروب التكافل بين المسلمين التي تعبر عن طبيعة النظام الإسلامي، كما أوضحته آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
مشاعر الفقراء
ولأن الإسلام لم يحارب الآفات النفسية الاجتماعية بالوعظ المجرد والإرشاد النظري فإنه عمد إلى اقتلاع أسبابها من الحياة واستئصال جذورها من المجتمع فلا يكفي الجائع أو المحروم أو العريان أن تلقي عليه درسا بليغا في خطر الحقد والحسد بينما في كل لحظة في حياته التعسة البائسة وحياة الطاعمين الناعمين المترفين من حوله يتلقى دروسا عملية أخرى كيف يحسد؟ وكيف يحقد؟ وكيف يبغض؟ وكيف يغلي قلبه كراهية وغيظا ونقمة؟
إن الناس إذا توافرت لهم كفايتهم وكفاية من يعولونهم استطاعوا أن يطمئنوا في حياتهم ويتجهوا بالعبادة الخاشعة
إلى ربهم الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
إن شعور الفقير انه ليس ضائعا في المجتمع وان مجتمعه يرعاه ويهتم به كسب كبير لشخصيته وزكاة لنفسه وهذا الشعور نفسه ثروة لايستهان بها للأمة كلها.
ولقد بالغ الإسلام في التحذير من إهمال الفقراء إلى الحد الذي جعله سببا في براءة ذمة الله سبحانه وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، من الجماعة البشرية التي تسقط في مستنقع هذا الخلل الفاحش في علاقات الاجتماع.. وفي ذلك وعنه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما أهل عرصة (أي مجتمع، صغيرا كان أم كبيرا)، أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله.
مجتمع الجسد الحي
ان مجتمع التكافل الاجتماعي هو مجتمع الجسد الحي. وإسهام كل عضو من الأعضاء في حياة الجسد وحيويته ليس متماثلا ولا متساويا.. وحظ كل عضو ونصيبه من رصيد حياة الجسد وحيويته ليس واحدا فالتوازن والارتفاق، الذي يصبح فيه كل عضو فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا مع الآخرين، وكأنه المرفق الذي يرتفق به وعليه الآخرون كما يرتفق هو بهم وعليهم، مع التفاوت في الحظوظ والمقادير والدرجات في عملية الارتفاق والتوازن هذه.. ان هذه الصورة هي الممكنة والحقيقية والعادلة في مبدأ المساواة بالميادين التي تتفاوت في طاقات الناس، وتتفاوت فيها أيضا احتياجاتهم لما يحصلون في هذه الميادين.
وفي المأثور الإسلامي: من لم يهتم بأمر الناس فليس منهم، أي أن الفردية والأثرة وقطع الروابط الاجتماعية مع الناس تخرج صاحبها من زمرة الإنسانية! فالتكافل الاجتماعي هو اللحمة التي تصل الفرد بجنس الإنسان ومعنى الإنسانية.
وفي التعبير عن هذا المعنى الإنساني والاجتماعي، جاء التصوير النبوي لهذا التكافل الذي يجعل الأمة جسدا واحدا حيا رغم تفاوت أعضاء هذا الجسد في الحجم والتأثير والإمكانات والاحتياجات.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
فإذا غاب هذا التكافل، تحللت الروابط الاجتماعية في المجتمع، وتحللت الأعصاب الجامعة للأمة، فحين يغيب هذا التكافل يحل محله الخلل في الاجتماع الإنساني، فيتركز الثراء في جانب، بينما يتركز الفقر في الجانب الآخر، ولذلك كان مجتمع التكافل هو النقيض لمجتمع دولة الأغنياء الذي تحدث عنه القرآن الكريم فقال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب، (الحشر: 7).
ذلك أن النشوز الاجتماعي والاستفراد بسلطة المال وبكل سلطة هو المقدمة المفضية إلى الطغيان الاجتماعي.. والسياسي.. والإداري.. والاقتصادي. وصدق الله العظيم: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، (العلق: 6-7).
فالتكافل الاجتماعي هو الطريق إلى حياة وإحياء الإنسانية في المجتمع.. والفردية والأثرة هما سبيل الطغيان.
إن مفهوم التكافل الاجتماعي في الإسلام واسع، لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل أنواعًا كثيرة مختلفة منها: التكافل الأدبي. وهو أن يشعر الإنسان باحترام الآخرين له وحبه لهم، والتعاون معهم في جميع المجالات التكافل الدفاعي. وهو مسؤولية الأفراد عن مستقبل أمتهم ووطنهم،كما يجب على كل فرد في المجتمع الإسلامي، أن يساهم في الدفاع عن بلاده ضد الأعداء، قال تعالى: انفروا خفافًا وثقالا، (التوبة: 41).
والتكافل الجنائي. ويتمثل في أن الإسلام أوجب الدية في القتل الخطأ على العشيرة، والأصل أن تَبِعة جناية الشخص تقع على نفسه. لكن القاتل هنا في حالة القتل الخطأ لا يُسأل، لأن سوء النية وقصد القتل لم يتوفرا. ولا يمكن أن يُهدر دم المقتول في جميع الظروف، فكانت المصلحة أن تشترك
عشيرة القاتل في دفع الدية عنه تكافلاً وتضامنًا.
والتكافل الأخلاقي. وهو مسؤولية المجتمع الإسلامي بجميع أفراده عما يصدر من هؤلاء الأفراد من تصرفات تسيء إلى المجتمع وقيمه ومقدساته، ولذا أوجب الإسلام على الجميع أن يكونوا حراسًا على المجتمع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) رواه البخاري والترمذي واللفظ للبخاري.
والتكافل الاقتصادي، وهو أن يشعر الأفراد بواجبهم نحو أفراد مجتمعهم، فلا يقْدِمون على التصرفات التي قد تلحق الضرر بالناس كالغش في المعاملات، والتطفيف في الكيل، واحتكار الأقوات الضرورية التي يحتاج إليها الناس، واستغلال حاجة المحتاجين لإجبارهم على التعامل بالربا، وغير ذلك من التصرفات التي حرمها الإسلام، لأنها تُلحق أضرارًا كبيرة بالناس. كما يوجب هذا النوع من التكافل أن تتدخل الدولة عند الحاجة فتمنع كل تصرف يلحق الضرر بالناس، كما يجب عليها التدخل في الأسواق عند الحاجة لتحديد الأسعار.
والتكافل المعيشي والمادي. ويتمثل في الحقوق التي فرضتها الشريعة الإسلامية للفقراء والمحتاجين في أموال الأغنياء، ويشمل هذا الجانب: الزكاة والنذور والأضحية والكفارات والصدقات. كما يتحقق هذا الجانب بما هو مشروع على سبيل التطوع كالوقف والوصية والهبة.