رونو ديلي
بعد مضي ثلاثين عاماً على "مسيرة البور"، يحكي المؤرخ الفرنسي باسكال بلانشار الأسطورة العاطفية لفرنسا العربية - الشرقية التي بدأت قبل ثلاثة عشر قرناً من الزمان .
بلانشار، متخصص في تاريخ الإمبراطورية الكولونيالية الفرنسية، أعد منذ ثلاثة أعوام عملاً جماعياً "فرنسا السوداء" (مطبوعات لا ديكوفرت) . تابع مسيرته بأن أصدر لدى نفس الناشر مؤخراً: "فرنسا العربية - الشرقية" .
إلى متى يرجع الحضور العربي في فرنسا؟
- إلى بداية القرن الثامن الميلادي، نحو عامي 718-،719 حينما بدأت الغزوات العربية الأولى تأتي من الأندلس . وقتذاك، كان الفرنسيون يعلمون بوجود، في الناحية المقابلة من البحر المتوسط، شعب غاز ذي ديانة أخرى . أدت محاربة العرب المسلمين، ودفعهم إلى ما وراء (جبال) البيرينه إلى تأسيس فرنسا، أو بالأحرى البدء في تأسيس فضاء كارولانجياني . كان العرب يحتلون الجنوب الشرقي ثم كل الجنوب الغربي، حتى ليون . ولذا قام شارل مارتل، ثم شارلماني وخلفاؤه بالتصدي لهم طوال عقد من الزمان .
على عكس الأسطورة، معركة بواتييه في عام ،732 لا تمثل بالتالي نقطة توقف نهائي؟
- اطلاقاً . ظل العرب موجودين حتى عام ،1000 وبالتحديد حتى عام ،973 في بربينيان، مونتباون أو سان تروبيز . ووسم هذا الحضور المواقعية ومنح، على سبيل المثال، اسمه إلى "المور" . كان للمؤرخ هنري بيرين هذه الجملة الموحية: "كان وجود شارلماني، من دون (النبي) محمد صلى الله عليه وسلم، غير معقول" . يعرف الجميع "بيت رولان" في رونسوفو، غير أننا ننسى أن رولان حينما حاربه الباسكيون في جبال البيرينه، جرى هذا عند عودته من برشلونة حيثما كان يعاون أميراً عربياً . عصر ذاك، كان عصر الدبلوماسية، وبعض هؤلاء العرب أنصارنا . في الوقت نفسه، كنا نحارب الشرق و . . . نبدأ معه .
بعد وقت التجارب جاء وقت الحروب الصليبية .
- في عام ،1095 مثلت الدعوة إلى الحروب الصليبية (من قبل البابا أوربان الثاني) منعطفاً كبيراً . لم تكن جيوشنا بلغت القدس بعد مثلما تحكي أيقونات هذه الحروب . دخل الشرق للمرة الثانية إلى مخيلتنا، أنه ثأر بواتييه . فضلا عن ذلك، في قصر بوت - دوريه، في باريس، خلال المعرض الكولونيالي الذي أقيم في عام ،1931 نجد أن الاسم الذي يفتتح قائمة عشرات شخصيات تاريخنا الكولونيالي، اسم غودفروي دو بويون! تاريخنا الكولونيالي بدأ من هذه اللحظة، ومع "ملك القدس" . في هذا التواصل نفهم الرابطة التي جمعت بين فرانسوا الأول وسليمان القانوني، جاذبية لوي الخامس عشر إلى "التركيات" Turqueries، أو حملة بونابرت على مصر . وإذا كانت فرنسا تنشغل اليوم كثيراً بسوريا، فهذا يرجع إلى أن نابوليون الثالث، في عام ،1860 أرسل الجيوش إلى هناك طوال ستة أشهر، وأن هذه الحملة منحت شهادة ميلاد لبنان .
هل يتموضع استعمار الجزائر على نفس المنوال؟
- قبل ثلاثين عاماً من غزو الجزائر، حينما وصل بونابرت إلى مصر، قال للمصريين: "نحن، الفرنسيين، فقط، القادرون على فهم حضارتكم . نحن خلقنا لكي نحكمكم، لأننا أكثر عدلاً من المماليك الذين يحكمونكم" . بالتأكيد، فرنسا هي الأمة الوحيدة التي سعت لغزو شعب تعبيراً على حبها له . ذريعة لا تصدق! وصل الفرنسيون إلى الجزائر بتفخيم نفس هذه الميتولوجيا، ميتولوجيا الشعب المحرر . قال الفرنسيون للعرب: "سوف نحرركم من الظلمات وندمجكم بفرنسا، الأمة العظمى" . ومنذ عام ،1848 أصبحت الجزائر مقاطعة فرنسية . وهي حالة فريدة، سريعة بدرجة مذهلة، في التاريخ الكولونيالي . في عام ،1863 كوّن القناصة الجزائريون الحرس الإمبراطوري الذي يعسكر أمام حديقة "تويلوري"، بعد أن اشتركوا في حملات الإمبراطورية الثانية، في إيطاليا، في المكسيك، وفي القرم . في عام ،1870 حارب آلاف من "التركو" إلى جانبنا ضد البروسيين . لم يعد "البربري"، في عام ،1870 العربي وإنما البروسي! عصرذاك، حض كثير من كبار الجمهوريين فرنسا على الاغتراف من هذه القوى المجددة في مستعمراتنا .
هل رجرجت حرب الجزائر هذه المخيلة؟
- جلبت إلى أرض فرنسا توتراً لم يزل قائماً في الضفة الأخرى من البحر المتوسط منذ مئة وثلاثين عاماً . غير أن العلاقة تظل متناقضة بما أن فرنسا سمحت لدخول ما يقارب من مئة ألف عامل إلى هذا الشكل الهندسي، المسدس . مرحلة الثلاثين عاماً المجيدة ترتكن في جانب كبير منها على هؤلاء العمال الذين تمت دعوتهم للقدوم إلى البلاد . . وقتما كنا نقوم بالحرب ضد "مواطنيهم" في الجزائر . جرى التغيير الحقيقي، مع لم الشمل العائلي، الذي بدأ من عام 1973: جاءت "الأمهات" . وبدأ الفرنسيون يفهمون أن "العرب" سوف يمكثون في البلاد . كانت هناك موجة من الجرائم العنصرية، التي وقعت أحداثها ما بين 1971 و،1983 نتج عنها الكثير من الضحايا، على وجه الخصوص في الجنوب .
هل يأخذ هذا توتراً غير معروف؟
- خلال السنوات 1892-،1898 كان هناك أكثر من ثلاثين صحيفة معادية للسامية في الأكشاك ويقرأ الناس "فرنسا اليهودية" لدرومون . كانت كراهية اليهودي عنفاً متطرفاً . وهنا أيضاً، نجد أنه عرقي وديني، مع الفارق فيما يخص العرب . ومع ذلك، 12 أو 13 مليوناً من الفرنسيين اليهود، المسيحيين والمسلمين، لهم جزء من تاريخهم في الضفة الأخرى من البحر المتوسط . فرنسا أيضاً قوة كبرى، ومن الضروري مخاطبتها، بكل الوعي . في عام ،1945 كان التنبؤ بإقامة علاقة فرنسية - ألمانية واستقبال رئيس ألماني في أورادور - سور - غلان حلماً يوتوبياً . هذا الكتاب "فرنسا العربية - الشرقية"، طريقة للبدء في كتابة هذا التاريخ المشترك .

ترجمة: أحمد عثمان