نحن مع الذين يذهبون إلى أن الفرق الجوهري بين الإنسان وبين غيره من المخلوقات هو الحرية، وقد اختص بها الإنسان عن سائر المخلوقات التي اختارت التسخير إشفاقاً من الابتلاء ومن نتائجه، ولابد أن نشير إلى أن اختيار تلك المخلوقات للاندراج في قانون التسخير لم يكن رفضاً لأمر الله، كما كان رفض إبليس للسجود لآدم .

أبت تلك المخلوقات أن تحمل الأمانة المعروضة عليها، وأبى إبليس الأمر الإلهي الذي صدر إليه، والفرق بين الإباءين كبير، يقول الفخر الرازي: إن الأمانة كانت عرضاً أما السجود فكان فرضاً، كما أن إباء إبليس كان استكباراً، أما إباء السماوات والأرض والجبال فقد كان استصغاراً لأنفسهن: (وأشفقن منها) .

هذا هو الفرق بين الحرية والإرادة المختارة التي منحت للثقلين، الإنس والجان، التي جعلتهما مسؤولين عن أفعالهما وأعمالهما بعد الهبوط إلى الأرض معاً، وجعلهما مخلوقين مبتليين .

والشاهد أن الحرية التي أعطيت من رب العباد إلى الإنسان، قد أخذها اختياراً بعد عرضها عليه وتخييره فيها، أما الحرية التي أعطيت للجن فقد أعطيت له طلباً، ولم تعرض عليه ولا هو خير فيها، أخذها الإنسان عرضاً: إِنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (الأحزاب72)، وأخذها إبليس طلباً: قَالَ رَب فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (ص79) .

أخذ الإنسان الحرية وهو مؤمن غير جاحد لألوهية رب العباد، وأخذها الشيطان وهو كافر جاحد لألوهية رب العباد، أخذها الإنسان وهو مقبل على طاعة الله، وأخذها الشيطان وهو خارج من رحمة الله، واشتركا معا في أنهما أخذاها ابتلاء لهما، ابتلاء لكل جنس منهما بالآخر، وابتلاء لكل جنس منهما ببعض جنسه، وابتلاء لكل جنس منهما ببعض خلق الله .

أصل الإنسان

ارتبطت قصة الخلق في القرآن بالإشارة إلى أن أصل الإنسان من أمهن شيء، وارتبطت بالإشارة أيضا- إلى نسيان الإنسان من أي شيء خلق، وتحوله إلى خصيم مبين، أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنا خَلَقْنَاهُ مِن نطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِينٌ (يس77)، وساق القرآن خلق الإنسان في أكثر من موضع وفي أكثر من سياق، يجمعها جميعا الحديث عن مبدأ خلق الإنسان من أمهن شيء (التراب/ الطين/ النطفة) فنشأ منه أشرف نوع، شرفه الله وكرمه، وأحسن تقويمه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وأعطاه حريته، واستخلفه في الأرض، وأسجد له الملائكة، وجعله ابتلاء للجان، وأهبطه الأرض، وعندما عصى وتاب، تاب الله عليه وتعهد ذريته بالهدى والرسل والأنبياء، وذلك لأن الأصل في الخلق العبادة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم من رزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِن اللهَ هُوَ الرزاقُ ذُو الْقُوةِ الْمَتِينُ (الذاريات 56 /57 /58)، وهذه إحدى المرات التي ذكر فيها القرآن الجن قبل الإنس، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)، والسبب في ذكر الجن سابقاً على ذكر الإنس هنا، هو أسبقيتهم في الخلق، ذلك أن الجن مخلوقون قبل الإنس لقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ منْ حَمَإٍ مسْنُونٍ * وَالْجَآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السمُومِ (الحجر26/27)، ولما ابتدئ الحديث بكلمة (وما خلقت)، فقد كان حرياً أن يأتي الخلق على ترتيب خلقهم (الجن ثم الإنس)، ولم يكن مناسبا أن يسبق الإنس الجن، مادام خلق الجن كان سابقا على خلق الإنس .

وفي سورة الناس وردت آخر آياتها على النحو: مِنَ الْجِنةِ وَالناسِ (الناس 6)، والسياق هنا سياق استعاذة من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، والوسواس قد يكون من الإنس أو من الجن، ولما كانت الوسوسة هي ألزم بالجان منها ب الإنسان فذكرت (الجِنة) قبل (الناس) .

وآية ثالثة في سورة السجدة: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُل نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَق الْقَوْلُ مِني لَأَمْلأَن جَهَنمَ مِنَ الْجِنةِ وَالناسِ أَجْمَعِينَ (السجدة13)، والأسبقية هنا للجنة، وهم أكثر أهل النار، وهم قادة أهل الكفر إلى السعير، فابتدأ بهم لغلبتهم وريادتهم إلى النار، فهم السابقون إليها والعياذ بالله .

أما الآية التي بين أيدينا والتي تقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ففيها تحديد لهدف الخلق وحكمته: (إلا ليعبدون)، والمقصود أنهم يعبدون الله اختياراً، لا جبراً، ولا تسخيراً، والإنس ليسوا جميعاً عابدين لله، بل فيهم كافرون، وفيهم مشركون، وفيهم منافقون، وفيهم ملاحدة، منكرون لوجود الله، وفيهم من قالوا ولد الله، وما كان لله أن يكون له ولد، إن يقولون إلا كذبا، وأقلهم المؤمنون الموحدون العابدون لرب العباد، وَمَا أَكْثَرُ الناسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (يوسف103) .

عبادة الاختيار

ليس الإنس والجن وحدهم من يعبدون الله، كل مخلوقات الله تعبده، الملائكة يعبدونه: إِن الذِينَ عِندَ رَبكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (الأعراف206)، والرعد والصواعق: وَيُسَبحُ الرعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (الرعد13)، وتُسَبحُ لَهُ السمَاوَاتُ السبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِن وَإِن من شَيْءٍ إِلا يُسَبحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (الإسراء44) .

وكل المخلوقات داخلة في طاعة الله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (آل عمران83)، ووَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُو وَالآصَالِ (الرعد15) . .

العبادة المقصودة في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) هي عبادة الاختيار، عبادة مع وجود القدرة على الخروج عن الطاعة، وتلك هي ميزة الدخول في عبادة الله بالاختيار، التي يثاب عليها العابد بالخلود في جنات عرضها السماوات والأرض، ويجازى الناكص عنها بإرادته، أو بإتباع أهوائه أو باستكباره، أو استنكافه عن عبادة الله بالخلود في نار جهنم، وبئس المصير .

وذلك هو ابتلاء الثقلين معاً، الدخول في عبادة الله أو الخروج منها اختيارا وعن إرادة حرة، وما يجمع بين الإنس والجن أنهما خلقا للعبادة، أنهما يقران بربوبية الله عز وجل، أن عبادتهما لربهما تأتي عن اختيار وإرادة، وأنهما مبتليان بالحياة الدنيا، وأنهما مبتليان بعضها ببعض، أن الأمر بالإهباط جاء في أعقاب معصية، وأن منهما المؤمنون ومنهما دون ذلك، والجزاء من جنس العمل، فالدخول إلى عبادة الله جزاؤه الجنة، والخلود فيها، والخروج من عبادة الله جزاؤه النار، والخلود فيها .

وما كان فسوق إبليس عن أمر ربه إلا خروجاً من عبادته، ودخولاً إلى معصيته والكفر به سبحانه وتعالى، (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنكَ مِنَ الصاغِرِينَ)(الأعراف13)، اهبط من سمو منزلة التعبد لله، اهبط من علو مكانة الائتمار بأمر الله، والانتهاء عن نهيه، اهبط إلى خفض عبادة الذات، وسقوط إتباع الهوى والملذات، والجري وراء الشهوات، (فاخرج منها)، أُخرج من عز العبودية لله، إلى ذل الكفر به، والى مذلة المعصية، (واهبط منها) . .

وعندما حقت كلمة الله، وأخرج آدم وزوجه من الجنة، وبدأ عهد الاستخلاف في هذه الأرض، (وقلنا: اهبطوا، بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) . .

عجيب أمر الإنسان، مخلوق، ويكابر خالقه، ومخلوق من طين، ومن نطفة، من أمهن شيء، من تراب الأرض، ويكفر بنعمة ربه التي أنعم عليه بها فشرفه وأكرمه وأسجد له ملائكة وأتاه علما، وعلمه ما لم يكن يعلم، وهيأ له القدرة على التعلم والتعليم، ثم هو يصرف ما أنعم الله به عليه في عصيان المنعم عليه .