
منذ بداية السبعينات، اكتشف العلماء مستقبلات كيماوية (مركبة في الأساس من المورفين) يفرزها النظام العصبي المركزي، علماً بأن هذه المادة المخدِّرة (المزيلة للألم) لم تكن تستخدم إلا باقتضاب شديد . يذكر أنه في العام 1990 بدأت العديد من الدول المتقدمة تنظر إلى الألم على أنه إحدى الأولويات المهمة للصحة العامة، بل وصل الأمر إلى اتهام بعض الدول بالتقصير في موضوع كفالة المريض المصاب بمرض مؤلم .
ومنذ ذلك التاريخ تم وضع خطة ثلاثية بهدف إنشاء ثقافة لمكافحة الألم، تجمع بين توفير المعلومات والتأهيل وكفالة المريض .
وقد نالت هذه الخطة كثيراً من النجاح لأن ضمان الألم بحد ذاته يعتبر مؤشراً مهماً في تقييم نوعية العلاج المتوفر في المستشفيات .
والواقع أنه على الرغم من التطورات البالغة التي حققها العلماء في مجال التعرف على آلية حدوث الألم، إلا أن ذلك لم يكن كافياً بالقدر المطلوب لإيجاد حل جذري للألم علماً بأن تخفيف الألم يعتبر حقاً أساسياً لأي شخص على حد قول جون فرانسوا ماتي وزير الصحة الفرنسي .
ومنذ أن بدأت الدول المتقدمة تعي أهمية هذا الأمر، ظهرت الكثير من الدراسات على المستوى العالمي تتعلق بالألم وبطرق التخلص منه، لكن جلها كان ينطبق على عينات محدودة أو على شعوب مختلفة .
وكانت الدراسات بشكل عام غير منظمة، ويرى بعض الأطباء أنه إذا بقي الألم حتى الآن عالماً غير واضح المعالم، فذلك لا لشيء إلا لأن الألم عارض شديد التغير من شخص لآخر ولا يمكن الإحاطة به تماماً .
الآلم وليس ألم!
ولكي يعطي أحد الكتَّاب وصفاً للألم قال: لا أحد يمكنه على وجه الدقة أن يعرف الزمن الذي تستغرقه ثانية من الألم، فالألم يمكنه أن يدوم لبرهة ويمكن أن يستمر للأبد .
ويظهر لنا من القول السابق مدى الصعوبة التي يجدها الفكر في فهم إحساس ليس ككل الأحاسيس، ومن هنا يعتقد العلماء أنه لا يوجد على مستوى الدماغ مركز وحيد للألم فحسب، بل إن الطرق التي يسلكها الألم شديدة التعقيد إلى درجة أنه لا يمكن الحديث عن ألم واحد، بل يجب الحديث عن الألم .
وتنتقل إشارة الألم إلى الدماغ عن طريق الأعصاب الطرفية ثم تنتقل إلى الخلايا العصبية في النخاع الشوكي، الأمر الذ يحدث رد فعل دفاعي عند الشخص، فيظهر ذلك على هيئة سحب اليد من المقبس الكهربائي مثلاً أو بالتأوه إذا ما شاكت المرء شوكة أو إبرة .
ويؤكد الباحثون أن دلالة الألم تكون مفيدة في بعض الحالات، فهي تمثل للأطباء عنصرآً مهماً في عمليات تشخيص بعض الأمراض .
وبما أن الألم ليس سوى إشارة تحذيرية، فإن حقيقته تبقى غاية في التعقيد إلى درجة أن يصعب معه إعطاء تعريف كامل له .
ويرى باحثون من الجمعية الدولية لدراسة الألم، أن هذا الشعور، هو بمثابة التجربة الحسية والعاطفية السيئة المرتبطة بجرح في النسيج، ويظهر لنا من خلال هذا التعريف وجود آلام فعلية على الرغم من غياب المنبه المسبب للألم . وهناك عدة دراسات عصبية تشير إلى صحة الفكرة القائلة بعدم وجود تناسب بين الألم ومسببه، بل ثمة مجموعة معقدة من المسالك التي يسير بموجبها الألم عبر الجسد .
وعلى مستوى الدماغ أظهرت الدراسات أن الإثارة تحدث عند المستوى الجزيئي، ولذا فإن ظهور الألم يؤدي إلى إفراز مزيج حقيقي من المواد المولدة للألم .
وتبين من خلال دراسة الرابط الأول للألم المتمثل في النخاع الشوكي أنه لا بد من إلغاء فكرة الرسالة الكيميائية الوحيدة فقط والتي تعني وجود نواقل عصبية تسهل مرور الدفق العصبي من خلية عصبية إلى أخرى، بل لا بد من الحديث عن مواد عدة تشارك في هذه العملية كالمادة (أ) أو الجلوتامات (ملح حامض الفلوتاميك) .
وإذا كانت بعض هذه المواد تعتبر بمثابة مانعات للألم، فإن البعض الآخر منها يضاعف من الإحساس به، ومن هذا المنطلق نجد أن الألم على المستوى العصبي الكيماوي يحدث تغيرات متتالية في المسالك العصبية، تكون نتيجته حدوث نشاط في مستقبلات جديدة لتسهيل عملية نقل الرسالة العصبية . ويصل الأمر بهذه التفاعلات المتسلسلة إلى تأسيس ذاكرة حقيقية للألم .
ويشير الباحثون في هذا الصدد، أنه بغض النظر عن بعض الآليات المانعة أو الباعثة على التثبيط، يلاحظ، أن آلية تحمل الألم تبدأ منذ سن الولادة وتتطور مع نمو الجهاز العصبي .
أشكال متعددة
ويتخذ الألم من جهته أشكالاً متعددة ومختلفة، فالآلام المشهورة تنتج عن وجود زيادة في المنشطات الناجمة عن عوامل ضارة بالجسم، وذلك على مستوى الجلد أو الأغشية المخاطية، كما أن هناك آلاماً أخرى ترجع إلى وجود خلل عصبي الأمر الذي ينتج عنه حدوث فرط في الحساسية للألم كالتأثر الشديد بمرض (Zona) أو داء المنطقة (مرض جلدي يسبب بثوراً في الجسم على شكل منطقة)، وتوصف هذه الآلام عادة بأنها ذات مصدر عصبي جيني .
وثمة آلام لا يعرف لها سبب، ولذا يُطلق عليها (الآم وظائفية) .
وإذا كانت بعض الآلام ذات مصدر نفسي جيني كما يحدث عند بعض المصابين بالاكتئاب، فإننا نلاحظ أنها أمراض لا يمكن سبرها أو تحديد موقعها .
وعندما يتألم المرء لأشهر متواصلة، يغلب الألم على السبب العضوي المسبب له، ويصبح الألم بحد ذاته مرضاً مع ما ينتج عن انعكاسات سيئة على الحالة النفسية والسلوكية والجسدية للمريض كالاحساس بالكسل والتعب والأرق، والقلق والاكتئاب وبعض التقلصات العضلية .
وفي العادة تتحول هذه الحالة من الألم المزمن عند المسنين إلى مشكلة حقيقية حيث يصعب القضاء عليه وينتج عنها أمراض أخرى كمرض الشقيقة والتهاب المفاصل المزمن وآلام المفاصل القطنية، وهو ما يعتبر تحدياً حقيقياً على الصحة العامة .
قياس الألم رهان مستحيل
هل يمكن قياس شدة الألم؟
يقول الأطباء أنه لكي يتم التخفيف من حدة الألم فلا بد من القدرة على وصفه، وإذا تحقق لنا ذلك يمكننا تقدير حجمه أو شدته .
وهناك تقنيات متعددة قد ظهرت في الآونة الأخيرة كمحاولة لقياس شدة الألم .
وانطلق العلماء لصناعة تلك التقنيات من مبدأ يتمثل في وجود علاقة وطيدة بين الأبعاد الحسية والعاطفية والإدراكية للألم، كما أن العلاقة بين المرض والألم تبدو شديدة التغير، وبالجملة نقول إن الألم عبارة عن تجربة شخصية بحتة ومن هنا تكمن الصعوبة في سماع وتحليل شكوى المتألم .
وبما أنها ضرورية في عملية العلاج، فإن مسألة تقييم أو تقدير حجم الألم تستند إلى قوانين محددة وافقت عليها الوكالة الوطنية الفرنسية للتفويض والتقييم الصحي .
وتتمثل هذه القوانين في دفع المريض إلى تقدير حجم الألم بنفسه من خلال سلم يتدرج بالاحساس بالألم من (1-10) أو باستخدام صفات مثل (غياب، ضعف، متوسط، وشديد) للدلالة على حجم الألم .
وهناك سلم مرئي تماثلي يرمز له (EVN) يستخدم لقياس حجم الألم وهو عبارة عن مسطرة مزدوجة الوجه يتنقل عليها مؤشر بين طرفين أحدهما يوجد عليه عبارة (لا ألم) والآخر (ألم في أقصى درجاته) . ويحوي هذا السلم الإلكتروني المليمتري جانباً يتعلق بالطبيب يمكنه من تقدير حجم الألم . ويلجأ بعض الأطباء إلى الاعتماد على المريض نفسه خاصة إذا كان مصاباً بمرض ذي ألم مزمن شديد، حيث يقوم المريض بتدوين شدة الألم يوماً بعد يوم . ويسهم هذا الأمر في تمكين الطبيب من تحديد مكان الألم وتشخيص المرض بشكل دقيق وبالتالي التوصل إلى قرار نهائي في منح المريض العلاج الناجع، وهناك مرحلة أخرى يعتمد عليها الطبيب في تحديد شدة الألم، تتمثل في ملء استمارة أسئلة تتعلق بالألم وطبيعته .
وفي بعض الأحيان لا يمكن للمريض أن يعبر عن آلامه بالكلمات، وبالطبع يكون الأمر شديد الصعوبة والتعقيد عند الأطفال الذين لا يستطيعون ترجمة أحاسيسهم وآلامهم إلى عبارات .
وثمة طرق أخرى لتحديد نوع الألم عند الطفل، تتمثل في مطالبة الأطفال بتلوين حجم الألم الذي يشعرون به على رسم أو بعرض بعض الصور التي تدل على حالات مثل الحزن والبكاء .
وتكمن أكبر المشكلات في تحديد طبيعة الألم عند المواليد الجدد وكبار السن وخاصة المقعدين منهم .
ويطلق على الطريقة التي يتم بها تقدير طبيعة وحجم الألم عند هؤلاء التقييم المتغاير حيث يعتمد الأطباء على تقدير النتائج المترتبة على سلوك المريض أثناء الألم، نظراً لعدم تمكنهم من قياس شدة الألم بحد ذاته .
وثمة عوامل وإشارات لا بد للطبيب أن يأخذها بالاعتبار كالبكاء والنواح والإيماءات والحماية الطبيعية للمناطق المؤلمة واضطرابات النوم والغذاء والضغوط الجسدية والنفسية والانحطاط الجسمي (الوهن) .
ومن اللازم أن يختبر الطبيب أثر الألم على نشاط المسنين وحياتهم الاجتماعية . ولتسهيل هذه العملية ثم اختراع مقياس للرجل المسن أو المرأة يسمى مقياس (دولوبلس -2) وهو مقياس يتعلق بالسلوك عند الشخص المسن .
أما عند الطفل فالمقياس يسمى مقياس الألم الذي اخترعه جوستاف روسي عام 1987 وكذلك مقياس إيدن الخاص بالمولودين الجدد الذي ظهر عام 1993 .
ولسوء الحظ، لا يلجأ إلى هذه المقاييس سوى عدد قليل من المتخصصين، ومن هنا نرى أن إيجاد أدوات عالمية لتقييم الألم هو بمثابة التطور الكبير في عالم العلاج، لكن هذه الأدوات لا يمكن أن تحل محل الاهتمام والحوار الذي يوليه الطبيب للمريض، لأن فهم أو إدراك ما هية الألم يرتبط إلى حد كبير بعوامل كثيرة كالاكتئاب والضغط النفسي وهو ما لا يمكن التوصل إليه إلا من خلال الحوار المتبادل العميق .
وسائل تخفيف الألم
واليوم، يكاد الأطباء لا يجدون نوعاً من الآلام غير قابل للعلاج على الرغم من أن ذلك يتطلب شيئاً من الوقت، ومنذ العام 1995 أصبحت الواجبات المتعلقة بالطبيب نحو مرضاه تلزمه بضرورة تسكين آلامهم بكل الوسائل والطرق المتاحة له .
وفي هذا الصدد يمتلك الأطباء عقاقير مسكنة للألم متفقاً عليها من قبل المنظمات والهيئات الطبية المحلية والدولية، وتستند هذه العقاقير على مبدأ التسلسل العلاجي أي زيادة الجرعة المسكنة للألم ثم اللجوء إلى عقاقير أخرى إذا ما ثبت بالتجربة عدم فعالية بعض العقاقير .
وهناك نوعان من المسكنات: مسكنات لا تحتوي في تركيبها على الأفيون مثل (الباراسيتامول) ومسكنات تحتوي في تركيبها على الأفيون أو التي تسمى المسكنات المورفينية والتي عادة ما يكون تأثيرها قوياً على بعض الآلام المزمنة .
ومنذ العام 1999 بدأت العديد من الدول برفع الحظر الصارم عن صرف النوع الثاني من المسكنات شريطة أن يترافق ذلك مع ذكر اسم الطبيب وعمر المريض وجنسه، ومع العام 2000 أصبح استخدام مضخات التخدير ذات التحكم الذاتي (BCA) متداولاً في الصيدليات بعد أن كان استخدامها يقتصر قبل هذا التاريخ على المستشفيات فقط .
وفي السنوات الأخيرة، شهد عالم الطب ولادة استراتيجيات علاجية جديدة تستند على التقييم الشخصي لمكونات الألم . ومن هنا كانت المسكنات العامل الرئيس للعلاج، كما أصبح الشخص المتألم أو الذي يعاني آلاماً مبرحة، قادراً على إيجاد عدة خيارات فعالة لدى المراكز المتخصصة بمواجهة الألم، وذلك من خلال الدعم النفسي والمادي الذي يلقاه المريض من الجمعيات والهيئات الصحية .
ومنذ فترة وجيزة تمكن فريق طبي أمريكي من التعرف على مادة تسمى (الهيبوكريتين) التي يسبب نقصها في غدة ما تحت المهاد في الإصابة بمرض الحذار (حالة مرضية تتميز بنوبات نوم عميق قصيرة)، ولاحظ الأطباء أن لهذه المادة دوراً في فهم عملية حدوث الألم، كما اكتشف فريق طبي ياباني في أغسطس الماضي مادة بروتينية تسمى (بيرونيورسبتور 4*P2) يؤدي ازديادها في النخاع الشوكي عند الفئران إلى الشعور بالآلام ذات المصدر العصبي .
وفي العام 2002 استطاع فريق من الباحثين أن يثبتوا أن غياب أحد الجينات المسماة (بالدريم) عند الفئران يثير لديها فقداً شبه كامل للإحساس بالألم . ويتحكم هذا الجين في إنتاج مادة (الدينورفين) وهي إحدى المواد المعروفة بنقلها لإشارات الألم .
الثقافة والألم
وإذا كان الألم تجربة شخصية، فإنه في الوقت نفسه تجربة كونية، فمنذ زمن طويل خصصت كافة الحضارات دوراً مهماً للألم بغية التحكم بوجوده ولو من الناحية الرمزية على الأقل، ومن هنا اتخذ الألم معنى مختلفاً طبقاً للاعتقادات والثقافات، ففي الحضارات الغربية ذات التقليد (اليهودي - المسيحي) كان الألم عبارة عن اختبار يختبر به الله عباده . ومن هنا نجد أن الشهداء كانوا من خلال خضوعهم التام للمشيئة الإلهية يشاركون في فكرة الخلاص عند السيد المسيح عليه السلام كحالة متطرفة للألم بأشد صوره . والحال ذاته نجده في الإسلام وخاصة لدى أصحاب الطائفة الشيعية، حيث نجد تعذيب النفس بالضرب أثناء عاشوراء يتخذ شكلاً قوياً . أما في البوذية فيعبر الألم عن معنى الطهارة من الذنوب السابقة التي ارتكبها الإنسان في حياته، وفي المجتمعات التي تنادي بالإحيائية أو بحيوية المادة، نجد أن الألم يتخذ معنى مختلفاً جداً، فهو عبارة عن تلبس للجن في الجسد، أو مظهر من مظاهر الأرواح الشريرة التي تسكن الجسم، ويقول بعض الفلاسفة إن التفكير بالألم هو محاولة لجعله مقبولاً ومنحه معنى ليكون المرء أكثر قدرة على تحمله .وإذا كانت بعض الديانات كالمسيحية والإسلام قد شهدت ممارسات يمكن وصفها بالافتداء، فعلى سبيل المثال نجد أن التيار الصوفي الذي كان يركز على التجربة الداخلية للفرد، يدخل في ممارساته طقوساً مؤلمة مثيرة تجعل الإنسان حسب رأيهم يخرج على حدود قدراته البشرية .
وطبقاً لبعض الدراسات الإثنولوجية وجد أن الانخراط في القيم التي تتبناها بعض المجموعات الاجتماعية يمكن أن تحدث تغييراً في الطريقة التي يمارس فيها المرء مسألة تعامله مع الألم وليست الطقوس التي تتبعها بعض المجتمعات البدائية إلا صورة واضحة على ذلك، ففي سيريلانكا، هناك نزعة طقوسية إلى التضحية من أجل آلهة إحدى القبائل العرقية المعروفة بالمنداس، وتتمثل هذه الطريقة في التضحية بأن يترك المرء نفسه معلقاً في ذراع إحدى عجلات النقل وذلك باستخدام صنارات حادة تنغرز في الجلد وتصل إلى العضلات السطحية للأعضاء وفي بعض الأحيان تصل إلى العظم! والمدهش أن المريدين يتحملون آلام هذه الصنارات دون أي تذمر أو اعتراض!
وفي إطار الندوة التي أقيمت حول علاقة الإثنولوجية والطب: نظرات متلاقية حول الألم، اهتم كريستيان كوفييه المسؤول عن التجمعات الأوقيانية في متحف الإنسان في باريس، بالتضحيات التلقينية التي تمارسها (قبائل الإياثمول) التي تعيش في منطقة بابوازي في غينيا الجديدة . وتقوم هذه القبائل التي تعيش من حرفة الصيد على ضفاف نهر سيبيك، بإعطاء البشرة مظهراً يشبه جلد التمساح الذي يعتبر الجد التوتمي لهذه القبائل، ويقبل شبان هذه القبائل ببرودة متناهية بعض الممارسات المؤلمة جداً مثل حك الجروح ويعتبرون ذلك بمثابة الفخر لهم لأنها تمثل علامات فارقة بالنسبة لغيرهم من أفراد القبيلة .
وعكف جون بونوا رئيس وحدة الأنثروبولوجية الطبية التطبيقية في باريس على دراسة الطقوس المتعلقة بأولئك الذين يمشون فوق النار في جزر الرينيون الفرنسية ضمن شعائر هندوكية .
ويعتقد بونوا أن هذه الطقوس هي بمثابة التحدي لقوانين الطبيعة لأن هؤلاء يخرجون من فوق النار منتصرين وكأنهم كانوا يمشون فوق مستنقع ماء، علماً بأنهم يكونون قد تعرضوا لحروق بالغة في أقدامهم، لكنهم قادرون على الاستخفاف بها أو حتى عدم الاحساس بآلامها!
ويعتقد العلماء أن تأثير الثقافة على الفرد ورسوخ تعالميها في ذهنه نجدها أقل وضوحاً في المجتمعات الغربية الفردانية المعاصرة، ففي دراسة نوعية حول فهم وإدراك الاحساس بالألم في فرنسا أجريت في العام ،1998 تبين أن الألم إحساس يُعاش على أساس أنه حادث لا ينشأ عن أية ضرورة وليست له أية فائدة على الإنسان وهو نوع من الظلم .
وفي الوقت نفسه، يلاحظ في الغرب أن هناك شغفاً يصل إلى حد الهوس في العلامات الجسدية مثل التاتواج (الوشم) والثقوب المحدثة في الجسم . . فكيف يمكننا تفسير هذه العودة إلى الممارسات المؤلمة خاصة وأنها طقوس مرتبطة بالانتماء إلى هذه المجموعة أو تلك .
ويقول الدكتور ديفيد لوبروتون أن هذه الممارسات نابعة من إرادة الفرد في الشعور بالفردانية والاستقلالية إزاء العائلة، ومن هنا نجد أن هذا الإنسان قادر على تحمل الألم والرغبة فيه لأن الألم بالنسبة له هو عبور من الهوية الموروثة من العائلة إلى هوية شخصية اختارها لنفسه بمحض إرادته .
ونلاحظ أن مسألة التشويه الذاتي عند بعض الأناس المهمشين في المجتمع هي طريقة للتعبير عن مواجهة مشاعر تعذيب الضمير، وإذا كان الألم يتخذ معاني مختلفة، فإنه يصبح من الجلي أن نفهم قضية الصعوبة في إيجاد وصفات علاجية مناسبة له .
عقاقير مضادة للألم
ومن العقاقير المضادة للألم هناك ما يطلق عليها المسكنات اللاأفيونية كالباراسيتامول والأسبيرين ومضادات الالتهاب غير الاسترولية أو المحتوية على الكورتيزون، وميزة هذه العقاقير أنها تساعد على تسكين الآلام الخفيفة والمتوسطة، ولها تأثير فعال على الحمى، ويرتكز عملها ونشاطها على تكوين مواد معينة تسمى الألفوجين التي من ميزاتها أن تقوم بتنشيط المسالك التي يسري فيها الألم .
والنوع الثاني بالمسكنات المحتوية على كمية قليلة من الأفيون أو المورفينات، ومن ميزات هذه العقاقير أنها تسهم في تخفيف الآلام المعتدلة والشديدة وخاصة العصبية منها وتلك المتعلقة بالتهاب المفاصل، وفي العادة يقوم الجسم بإنتاج هذه المواد التي ما تتثبت فوق مستقبلات خاصة بغشاء الألياف العصبية المسؤولة عن الكبح الطبيعي لانتقال الإشارة الدالة على الألم .
وتتشارك هذه العقاقير مع عقاقير أخرى كالأسبرين لتفعيل التأثير المسكن للألم . ومن أمثلة هذا النوع من العقاقير عقار الكوديين وهي مادة تتحول إلى المورفين بعد أن يخف تأثيرها تدريجياً، بفعل الكبد، وهناك 10% من الأشخاص لا يتأثرون بهذا العقار، ويعانون من الإمساك .
ومن الأدوية المعروفة في هذه الفئة أيضاً الترامادول الذي ينشط الآلية الطبيعية لكبح الألم عن طريق الخلايا العصبية المنتجة للسيروتنين مادة أمينية تولدها بعض خلايا الأمعاء وتنقل الدم إلى الأنسجة أو لمادة النورادرينالين (وسيط كيماوي تطلقه الألياف العصبية الودية أو السمبثاوية) .
وهناك نوع من المسكنات المحتوية على نسبة عالية من المورفين وهي مسكنات من المستوى الثالث، ومعروفة بفعالياتها الشديدة ضد الآلام المبرحة، وتستخدم هذه العقاقير حالياً لتسكين الآلام الناتجة عن مرض السرطان، كما أنها فعالة جداً على الآلام الناتجة بعد العمليات الجراحية والأمراض الروماتزمية الحادة، ومن أمثلتها المورفين والفنتالين الذي له تأثير أسرع من المورفين ويذوب في الدهون وينتشر بشكل سريع في النظام العصبي المركزي، وهناك أيضاً الهيدروموفون والبربرينوفين والنالبوفين الذي يستعمل للآلام الشديدة . وثمة نوع آخر من العقاقير التي لا تدخل ضمن المسكنات في بعض الحالات الطبية المعينة وذلك كالعقاقير المضادة للاكتئاب ثلاثية الدورة (لاروكسيل، توفرانيل . .) ولهذه العقاقير تأثير جيد على الآلام ذات المصدر العصبي وبعض حالات الشقيقة . وفي العادة لا يلجأ الطبيب إلى وصف هذه العقاقير إلا في الحالات القصوى نظراً لتأثيراتها الجانبية كالجفاف في الحلق وزيادة الوزن، واضطرابات عضلة القلب . وهناك عقاقير أخرى مثل تلك المضادة للصرع تيجريتول وريفوتريل وهناك أيضاً الميوبا مزيج من الأوكسجين وبروتوكسيد الآزوت الذي يكون عبارة عن غاز مستنشق يستخدم أثناء الوضع والولادة للتخفيف من الآلام الناتجة عن هذه العملية .
تقنيات بديلة لعلاج الألم
ومن التقنيات البديلة المستخدمة لتخفيف أو حتى استئصال الألم، اللجوء إلى الجراحة عن طريق تقنية تسمى بالتخثر الحراري لأعصاب الجمجمة، وتستخدم هذه التقنية في حالات معينة كوجود آلام على مستوى الوجه .
ويلجأ الأطباء إلى قطع الجذور الحساسة للأعصاب المتفرعة عن النخاع الشوكي وذلك لتسكين الآلام المتعلقة بالعنق والرقبة كما أن هناك تقنيات أخرى تتمثل بإتلاف الحزم العصبية الموجودة تحت منطقة المهاد البصري في الدماغ وهي مخصصة لتسكين الآلام في منطقة الأنف والأذن والحنجرة .
وثمة تقنية يطلق عليها تقنية الحث العصبي التي تستخدم في تجديد الآليات الكابحة للألم من خلال إرسال دفقات كهربية، ويجري استخدام هذه الطريقة لدى الأشخاص المصابين بآلام ناتجة عن أمراض عصبية تستعصي على المسكنات ومن أكثر التقنيات شهرة في هذه الطريقة، طريقة الحث العصبي عبر الجلد التي شهدت انطلاقة قوية في عالم علاج الألم بالطرق البديلة . ويستخدم الأطباء فيها تيارات كهربية ذات تردد عال (100 هرتز) بغية تنشيط الألياف العصبية الحسية وذلك من خلال اللمس الخفيف، وعندما يتم نقل الإحساس الحسي بالكهرباء فإن الإشارات تطغى على (إشارات الألم) التي يمنع وصولها إلى الدماغ، وفي العادة يجب على المريض أن يحمل معه مولداً كهربياً صغيراً يتصل بدوره بإلكترودات ثابتة على الجلد في المنطقة التي ينشأ منها الألم، وهناك تقنية أخرى تسمى بالحث العصبي النخاعي التي تتطلب إجراء عملية جراحية لتثبيت الالكترودات في منطقة النخاع الشوكي . ويمكن لهذه التقنية منع وصول رسالة الألم إلى الدماغ، أما تقنية الحث الدماغي فتتركز على منطقة ما تحت المهاد أو القشرة الدماغية، وهي من التقنيات المعقدة جداً والخطيرة في الوقت نفسه لأنها تتطلب عملاً دقيقاً يقوم به أخصائيون في دراسة الدماغ .
تقنية اللمس والمساج
وثمة طرق علاجية للألم لا تتطلب اللجوء إلى العقاقير أو العمليات الجراحية، كتقنية التدليك الطبي والعلاج الحراري والموجات فوق الصوتية لتسخين الأنسجة العضلية العميقة أو اللجوء إلى الحمامات الساخنة، وهناك أيضاً العلاج بالبرودة وبالطين وبالماء المضغوط المتدفق بقوة حيث يتم توجيهه على مكان الألم، ويستخدم البعض كذلك تقنية الاسترخاء لعلاج التوتر العضلي والقلق والضغط العصبي .
وأخيراً هناك طريقة الإبر الصينية التي تعتمد على تقنية الحث العصبي عبر الجلد .
العلاج النفسي للألم
وتعتبر تقنية علاج الألم بالطرق السيكولوجية الحديثة من التقنيات التي دخلت عالم الطب منذ فترة وجيزة، وتهدف هذه التقنية إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة عند المرء بالنسبة لفهمه وإدراكه لمسألة الألم، كما تركز على تصحيح السلوك غير الطبيعي للمرء إزاء بعض المشكلات النفسية الناتجة عن شعوره بالألم، كالانغلاق على الذات . وتعتبر تقنية التنويم المغناطيسي من التقنيات الفعالة التي يجري استعمالها على الأشخاص المصابين بآلام مبرحة ناتجة عن عمليات جراحية أو جراء حروق عميقة، أو التعرض لأمراض خطيرة مؤلمة كالسرطان والشقيقة . ويعمل التنويم المغناطيسي على إحداث تغييرات حسية وعاطفية عند المرء إلى درجة أنه يصبح قادراً على التخفيف من عملية دمج المعلومات (الرسائل) المؤلمة ضمن مجال وعيه وبهذه الطريقة نجد أن المريض ينقطع تواصله مع الألم ويخف اهتمامه أو انتباهه له نظراً لأنه أصبح غير متركز في ذاكرته وخياله . ويمكن للمريض من خلال 5 جلسات أن يصبح قادراً على تنويم نفسه مغناطيسياً الأمر الذي يساعده على تخفيف آلامه على مدار اليوم .