منذ 51 عاماً تحتفل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو» باليوم العالمي لمحو الأمية الذي يصادف سبتمبر/ أيلول من كل عام، ونادت به المنظمة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1965 ، واعتمد بموجب قرار صادر عن المؤتمر العام للمنظمة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 1966.
كما أن المنظمة العربية للتربية والثقافة «الألسكو» تحتفل هي الأخرى في 8 يناير/ كانون الثاني من كل عام باليوم العربي لمحو الأمية والذي أقرته جامعة الدول العربية في العام 1970.
اعتمدت القمة العالمية الخاصة بأهداف التنمية المستدامة سبعة عشر هدفاً، كان من بينها الهدف الرابع الذي عنوانه «التعليم الجيد»، حيث تؤكد القمة «أنّ التعليم يشكل محرّكاً أساسياً للتنمية، إذ يتضمّن غايات عدة في إطار هدف قائم بحدّ ذاته، ألا وهو الهدف 4. والتعليم مدرج أيضاً ضمن الأهداف المتصلة بالصحة، والنمو والعمالة، والاستهلاك والإنتاج المستدامين، والتغيّر المناخي».
وعرفت الأمية في القرون السابقة على أنها عدم معرفة الإنسان، ذكراً أم أنثى، للقراءة والكتابة. وسعت دول العالم إلى محاربة الأمية باعتبارها آفة تؤثر في التنمية البشرية والاقتصادية، وتشكل بمعية الفقر والمرض ثالوثاً لا بد من اجتثاثه كي تكون التنمية مستدامة. واستطاعت دول مثل العراق في سبعينات القرن الماضي القضاء على الأمية، وأعلنت «اليونيسكو» ذلك، لكن التطورات السياسية التي حدثت في العالم والمنطقة العربية أعادت عجلة التنمية البشرية إلى الخلف. وجاء في تقرير لمنظمة «اليونيسكو» حديث عن أعداد من ما زالوا يعانون آفة الأمية «اليوم، 17% من سكان العالم الراشدين لا يزالون غير ملمين بالقراءة والكتابة، وثلثا هؤلاء هم من النساء، وهو ما يجعل من المساواة بين الجنسين أصعب تحقيقاً. وعلاوة على ذلك، فإن حجم مشكلة الأمية التي يعانيها الشباب تمثل تحدياً كبيراً، إذ تفيد التقديرات أن 127 مليون شاب على الصعيد العالمي لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، وأن 60.7 في المئة من بينهم شابات. ومن المحتمل أن يواجه 67.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس صعوبات كبيرة في المستقبل، حيث إن نقص التعليم الأساسي، أو عدم توافره، هو السبب الأصلي للأمية.
ونظراً إلى أن هناك زهاء 793 مليون راشد يفتقرون إلى الحد الأدنى من مهارات القراءة، فإن محو الأمية للجميع لا يزال بعيد المنال».
أما المنظمة العربية للتربية والثقافة، فقد أشارت في بيان احتفالية مكافحة الأمية لهذا العام 2017 إلى «أنّ الدول العربية لا تزال تعاني ارتفاعاً في نسبة الأمّية مقارنة بدول العالم النّامي، حيث تشير البيانات إلى أن معدّل الأمّية في الدول العربية 27.1% مقارنة ب 16% في العالم. وقدّر المرصد العربي للتّربية بالألكسو أنّ عدد الأمّيين في الوطن العربي عام 2015 بلغ قرابة 54 مليون أمّي، وهذا العدد مرشح للزيادة في ظل الأوضاع التعليميّة التي تعانيها الدول العربية التي تمرّ بأزمات ونزاعات مسلّحة والتي نتج عنها حتى الآن عدم التحاق قرابة 13.5 مليون طفل عربي بالتعليم النظامي».
وبسبب الحروب والصراعات تفاقمت الحالة الصحية سوءاً لملايين المشردين واللاجئين والمهجرين، وكذلك تراجعت التنمية الاقتصادية أو توقفت بسبب ذلك. أي أن الوضع عاد إلى المربع الأول بسبب الثالوث: الفقر والمرض والأمية.
وبسبب التطور التقني والتكنولوجي، فإن الأمية أصبحت بين المثقفين وبين من يحسنون القراءة والكتابة وهي أمية المعرفة التكنولوجية، مثل استخدام الحاسوب والهواتف النقالة الحديثة، ولهذا فإن مكافحة الأمية الحديثة لا بد أن تتم من خلال برامج التمكين والتفكير الإبداعي والابتكار كي تكون مسيرة التنمية على أسس حديثة ومستجيبة لروح العصر.
وهناك حاجة لمحاربة الأمية في الكثير من الميادين المهمة في الحياة، منها الوعي الصحي والأمني والمروري والمالي وإدارة الوقت وتربية الأبناء ورعايتهم والوعي البيئي وغيرها. وهناك العديد من الأشخاص يتصرفون في هذه الميادين بجهل وعدم حساب الربح والخسارة بالشكل الصحيح مما يتسببون لأنفسهم بخسائر كبيرة، وللآخرين أيضا، وقد تصل الخسائر إلى حد الموت.
إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع حكومات ومنظمات مجتمع مدني وجمعيات ذات نفع عام وأجهزة الإعلام والمثقفين والباحثين في رصد أسباب التدهور والتراجع الخطر الذي نشهده في محاربة الثالوث، واقتراح المعالجات التي تفضي لإيقاف ذلك التدهور والنهوض من جديد وبوتائر أسرع، لأن آفة التخلف كمرض السرطان إن لم يعالج في الوقت المناسب، لن يتبقى سوى الموت.

د. داود حسن كاظم *
* خبير بيئي وزراعي
[email protected]