جعل القرآن العلاقة بين الآباء والأبناء من أسمى العلاقات الاجتماعية، فهي علاقة ينبغي أن تغلفها مشاعر الحب والرحمة والوفاء والجزاء والإحسان، ولذلك تسجل هذه العلاقة الحميمة أسمى صور الإنسانية، التي جاءت بها شريعتنا الإسلامية الغراء .
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة لقمان: وَوَصيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أمهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَي الْمَصِيرُ . وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنْيَا مَعْرُوفاً وَاتبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَي ثُم إِلَي مَرْجِعُكُمْ فَأنَبئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
تحمل هذه الآيات الكريمة توصية بالوالدين، وخاصة الأم التي بذلت من الجهد ما يوجب الإحسان إليها، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في شأنها: حملته أمه وهناً على وهن، أي حملته أمه في بطنها وهي تزداد في كل يوم ضعفا على ضعف، بسب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه .
وقوله عز وجل: وفصاله في عامين بيان لمدة الرضاع، والفصال: الفطام عن الرضاع . . أي وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة . . وهاتان الجملتان حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبياناً لما تبذله من جهد شاق في سبيل أولادها تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان .
وقوله سبحانه: أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين . . أي: وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقك فضله عليك بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك عز وجل وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب .
حدود طاعة الوالدين
ثم بين الحق سبحانه حدود الطاعة للوالدين فقال: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما أي ووصينا الإنسان بوالديه . وقلنا له: وإن جاهداك أي وإن حملاك على أن تشرك بي في العبادة أو الطاعة ما ليس لك به علم فلا تطعهما في ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
ثم أمر سبحانه بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً أي: إن حملاك على الشرك فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما في الأمور الدنيوية التي لا تتعلق بالدين وتقتضيها مكارم الأخلاق .
ثم أرشد سبحانه إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: واتبع سبيل من أناب إلي . . . أي: واتبع أيها العاقل طريق الصالحين من عبادي، الذين رجعوا إليّ بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص ثم إليّ مرجعكم جميعا يوم القيامة فأنبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا، وأجازي كل إنسان على حسب عمله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
وهاتان الآيتان نزلتا، كما يقول القرطبي، في شأن سعد بن أبي وقاص لما أسلم، حيث حلفت أمه ألا تأكل طعاماً حتى تموت . . وفيهما دليل على صلة الأبوين غير المسلمين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين . . وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم، حين قدمت عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة: يا رسول الله: إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أي راغبة عن الإسلام أو راغبة في الصلة، أفأصلها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم .
واجب لا يسقط
حول العطاء الإنساني والأخلاقي لهذه الآيات الكريمة يقول الدكتور حذيفة المسير، الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر: حقوق الوالدين أكبر من أن يفي بها الأبناء، وعلى الإنسان أن يعلم أن الله تعالى قرن البر بالوالدين بالأمر بتوحيده وعبادته في أكثر من آية . قال الله تعالى: وَاعبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً .
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم البر بالوالدين وحسن رعايتهما معادلاً للجهاد في سبيل الله فقد أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال كما في الحديث الصحيح: أبايعك على الهجرة والجهاد: أبتغي الأجر من الله، قال له الرسول الكريم: فهل من والديك أحد حي؟ قال الرجل: نعم كلاهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتبتغي الأجر من الله؟ قال الرجل: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما .
وفي رواية للبخاري: ففيهما فجاهد، وجاء في رواية أخرى أن جاهمة السلمي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وجئتك أستشيرك، قال صلى الله عليه وسلم: فهل لك من أم؟ قال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم فالزمها، فإن الجنة عند رجلها .
وذلك البر يجعل طاعة الوالدين واجبة ما لم يأمرا بمعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومع عدم الطاعة في المعصية فإن حسن الصحبة يظل واجبا لا يسقط بحال من الأحوال، قال الله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنْيَا مَعْرُوفاً .
وحق الأم مقدم على حق الأب، فالأم تنفرد بالحمل والوضع والإرضاع، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وصى القرآن المجيد بالأم منفردة بعد الوصية بالوالدين معاً، فقال تعالى: وَوَصيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أمهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَي الْمَصِيرُ .
بر ما بعد الرحيل
ولا يقف البر والمعروف بالوالدين عند حياتهما فقط، كما يقول الدكتور المسير، بل يمتد أثره إلى ما بعد رحيلهما عن هذه الحياة، ففي وصية جامعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل من بني سلمة يسأل: يا رسول الله هل بقي عليّ من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعد بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما .
فالصلاة عليهما هي الدعاء، كما قال تعالى: وقل رب ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبيَانِي صَغِيراً . والاستغفار لهما لون من الدعاء .
وإن دعاء الأبناء للآباء أو دعاء الآباء للأبناء هو أخلص الدعاء، وإنفاذ عهدهما هو لون من البر، لأن العهد كان مسؤولا، فإذا قام الأبناء بالوفاء لعهود آبائهم كان ذلك من حسن الخلق، فمتى وعد الأبوان أو وصى أحدهما أو كلاهما بشيء جائز شرعاً وجب إنفاذ عهدهما، وصلة الرحم هي من البر بالآباء والأمهات فأقارب الأبوين وذوو أرحامهم كالإخوة والأعمام والأخوال، يجب أن يحافظ الأبناء على زيارتهم وتفقد أحوالهم ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم .
وكذلك يجب أن يفعلوا مع أصدقاء الوالدين احتراماً وتوقيراً ومعروفاً وبراً، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه .